«كان عبالي إحكي عن صديق وزميل (...) بتنزل دمعته وهو عم يحكي عن بنتو الزغيرة، إنه حلمها تاكل هي وبيّها قطعتين بيتزا». لعلّها العبارة الأقسى في منشور الممثل والعامل في قناة «المستقبل» محمد عقيل على صفحته الفايسبوكية أول من أمس. بات تناول قطعتَي بيتزا من عداد الأحلام بالنسبة إلى أطفال هؤلاء الموظفين! أطلق عقيل صرخته وصرخة زملائه الرازحين منذ نحو سنة ونصف سنة، تحت الفقر والعوز والمعاناة جراء حرمانهم رواتبهم ومستحقاتهم.

في أجواء الشهر الكريم، يقف هؤلاء الموظفون الذين باع بعضهم أثاث منزله وسياراته، وأصبح أولاده بلا مدارس، وآخرون دخلوا المستشفى بعد تضييق البنوك عليهم لشدة التأثر والضغوط النفسية. آخرون اضطروا إلى اللجوء إلى مصادر عيش أخرى لسد رمق أولادهم. على أحد أرصفة شوارع بيروت المعروفة، يقف أ.ف. أمام بسطة لبيع عصير البرتقال. بات الرجل العامل في قناة «المستقبل»، يحجز لها مكاناً سنوياً، سعياً للرزق في شهر رمضان. خلف هذه البسطة، استأجر الرجل أيضاً محلاً صغيراً لبيع القهوة. ومن مردودها البسيط، يدفع إيجار المحل، ويسدّد أيضاً ثمن آلة القهوة، ليبقى له القليل ليعتاش مع عائلته المؤلفة من زوجته وابنتيه، إلى جانب عائلة أخيه أيضاً. يبدو الرجل الأربعيني منهكاً ويائساً، يسعى إلى الهجرة خارج البلاد، علّه يحقّق عيشة كريمة لعائلته، بعدما اضطر للانتقال إلى بيت صغير، توفيراً للإيجار. أمامنا، يقف بائع العصير أو القهوة، الذي قضى 16 عاماً عاملاً في قناة الحريري. تأتي سيدة تدعى أم محمد لتطالبه بحدة وغضب بضرورة تسديد إيجار بيتها الذي تركه منذ فترة، ولفاتورة الكهرباء (40 ألف ليرة). السيدة التي تجرّ عربة التبضّع تحضيراً للإفطار، لا تعبأ بحالة الرجل المعدمة. تصرّ على مطلبها بصوت مرتفع. لم يرد أ.ف. كشف هويته ولا التعريف عنه، ملّ الكلام إعلامياً، مراراً عن حالته وحالة زملائه. يحدثنا عن مصير ابنتيه المعلق في المدرسة، وكيف أُخرجتا عنوة قبل شهرين بحجة عدم تسديد القسط. يحكي عن مبلغ يناهز خمسة ملايين ليرة، مطالب بتسديده لإدارة المدرسة تحت تهديد حرمان ابنتيه الإفادة المدرسية. سددت إدارة «المستقبل» من هذا المبلغ مليوناً فقط، بعدما وضع الوالد إدارة القناة تحت سلطة الأمر الواقع، وتوجه بابنتيه إلى المدير ليطلب منه حل هذه المشكلة. وقف الوالد أمام مديره وقال له بحسرة: «ما تحسسني أني عم أشحد».
قصة أ.ف. وقسوتها، التي أدت بموظف في قناة تلفزيونية إلى اللجوء إلى بيع القهوة والعصير، على أرصفة بيروت، تختصر جل قضية موظفي «المستقبل» الموعودين «بالفرج القريب» كما قال لهم سعد الحريري بداية شهر آذار (مارس) الماضي لدى زيارته القناة في بيروت. وقتها، شكر الموظفين على تحملهم ووقوفهم مع عائلة الحريري: «جيت سلّم عليكم، وقلّكم شكراً». هكذا أنهى الحريري كلمته وسط مئات الموظفين الذين يقتاتون اليوم من لحمهم الحيّ ليعيشوا مع عائلاتهم. وها هو شهر رمضان، يمرّ مجدداً ضيفاً ثقيلاً عليهم، والأوضاع ما زالت نفسها. قبض الموظفون قبل ثلاثة أشهر، راتب شهر واحد فقط، وها هي السّلف تتآكلهم شهراً تلو آخر. يقف سوط البنوك فوق رؤوسهم، وفي مقدمتهم «بنك البحر المتوسط» بضرورة تسديد القروض. في هذه النقطة بالتحديد، يكشف لنا مصدر داخل القناة أن الموظفين أجبروا منذ فترة وجيزة على توقيع تعهد يلزمهم بدفع مستحقات البنك بعد مرور شهر تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، وإدارة البنك غير عابئة بأن هؤلاء في الأصل لا يقبضون رواتبهم حتى يسددوا ما عليهم من ديون!