منذ أن دخل التلفزيون دمشق في بداية الستينيات، أسدلت مقاهي المدينة الستار على فصل من أهم فصول الدراما في حياتها: «الحكواتي». استبدلته بالصندوق السحري. وحده «مقهى النوفرة» بقي معتصماً عند التقليد التاريخي، الذي تحوّل مع الزمن إلى واحد من مفردات «تراث دمشق». ولمن لا يعرف الشام، فـ «النوفرة» هو العقدة التي تتوزّع منها أحياء الشام القديمة داخل السور. وقد كان يُعتبر من محاسن عاصمة الأمويين في عصورها الوسطى، ويطل على الجهة الخلفية الجنوبية للمسجد الأموي... وقد اختلف على تسميتها بهذا الاسم. بعضهم أرجعه إلى النافورة التي كانت تتدفق على مسافة خمسة أمتار من خلف «الأموي»، وتوقفت منذ أكثر من 50 عاماً بسبب جفاف «نهر يزيد» الذي كان يغذّيها. وآخرون يذكرون حادثة الشهيد الذي نفر دمه في المكان نفسه عندما قطع جنود الاحتلال العثماني رأسه. لكن المهم أنّ المقهى الذي سُمي نسبة لأحد هذين السببين، ما زال شاهداً على العصور. لم يوقف طقس حكواتي رمضان رغم رحيل آخر الحكواتيين رشيد حلاق في شتاء سنة 2014. كان الحكواتي الأخير قد غادر مدينته نتيجة الحرب وعاد إليها بعد أشهر، فوجد أنّه قد استبدل بحكواتي جديد اسمه أحمد اللحام. بات الأخير يعتلي منصة الدراما الأولى في تاريخ المدينة، التي لا تزال موجودة حتى اليوم، رغم صيحات التكنولوجيا المتلاحقة، وسنوات الحرب التي أجهزت كلياً على السياحة في العاصمة العريقة.

من خلف هذه المنصّة، دارت الحروب بين روّاد المقهى، ووصل الحماس إلى ذروته، واشتعل ميدان المقهى بالمنافسات انعكاساً للملاحم البطولية التي يسطّرها أبطال الحكايات!
رغم أنّ هذه المهنة مع خيال الظّل هما فسحة الدراما الأولى، إلا أنّ تناولها في الدراما الشامية ظلّ ساذجاً ونمطياً لم يخرج عن إطار «الكليشيه»، إذ لم يجرؤ أحد من كتّاب الدراما الشامية على الخوض عميقاً في مهنة «الحكواتي» وخلفياتها، خصوصاً أنّ السياسيين ذاك الزمن صنعوا من «الحكواتي» الذي يحتّل روح المدينة منبراً، يوصلون من خلاله الرسائل التي يريدون بثّها، ويجرّبون إيقاع خلاف بين جماعات أو شخصيّات مرموقة من خلال «الحكواتي» الذي كان وفقاً لهذا الشكل، معادلاً موضوعياً للمحطات الإعلامية المسيّسة اليوم. هذا ما يورده خالد بك العظم (1903 ــ1965)، رئيس سوريا الحادي عشر، وأبرز السياسيين الدمشقيين خلال فترة الجمهورية الأولى من تاريخ سوريا.
أما المؤرخ السوري قتيبة الشهابي (1934 ــ2008)، نجل الأمير أحمد الشهابي أحد دعائم الثورة السورية الكبرى في غوطة دمشق، فقد أوضح في كتابه «دمشق تاريخ وصور» شيئاً عن الحكواتي، قائلاً: «في فصل حي النوفرة، كانت القيامة تقوم في مقهى النوفرة إذا أنهى «الحكواتي» قصة «عنترة بن شدّاد» وأنهى كلامه وابن شداد في السجن! وكم من رجل قرع باب هذا «الحكواتي» في منتصف الليل مطالباً بتحرير البطل وفك أسره قبل طلوع النهار، وإلا فيضطر المسكين إلى متابعة القراءة حتى يطلق سراح عنترة». ويضيف الشهابي: «وكم من مرّة كانت فيها الملاسنة تحتدم بين المتحزبين للزير سالم وآخرين لجساس! الأمر الذي ينتهى عادة ببضع صفعات ولكمات ويذهب عدد من الكؤوس والكراسي ضحية ذلك».