لم تشفع السنوات الطويلة التي مرت على اغتيال المغني والمناضل الجزائري معطوب الوناس (1956ـــــ 1998) في طمس ذكراه عند أهله ومحبيه الذين ما زالوا يترقبون انكشاف الحقيقة كاملة حول ملابسات اغتياله. كلهم أمل في أن تنصفهم العدالة الجزائرية، وتعيد فتح هذا الملف الشائك، رغم صعوبة ذلك من الناحية القانونية، لكونه ينتمي إلى مرحلة «العشرية السوداء» في الجزائر.

في الذكرى 18 على اغتياله، قررت نادية أرملة المغني الراحل معاودة الكرّة بالتوجه إلى القضاء الجزائري، لرفع دعوى قضائية ضد حسان حطاب أحد قادة «الجماعة الإسلامية المسلحة» المتهمة باغتياله يوم 25 حزيران (يونيو) 1998 في منطقة تيزي أوزو شرقي الجزائر العاصمة.
في رسالة مؤثرة، قالت أرملة الوناس، إنّه حتى اليوم، لا يزال كثيرون يقيمون الحداد ويطالبون بالحقيقة. وأضافت أنه رغم أن تجربتها مع القضاء الجزائري في تموز (يوليو) 2011 «عززت من الشكوك حول من اغتال زوجها ولم تكن مشجعة لأن تجاوب القضاء فيها لم يكن بالمستوى المطلوب، إلا أنّ من الواجب اليوم إعادة فتح القضية، احتراماً لروح معطوب وكل من أحبه وسانده في نضاله». وتابعت قائلةً إنّ زوجها اغتيل بطريقة بشعة، وشكل رحيله خسارة فادحة للجزائر، هو الذي «رسّخ فينا قيم الاعتزاز بكوننا أمازيغ. لقد حارب إلى آخر ثانية من حياته، كما لو كان فارساً من أجل مبادئه».
من خلال هذه الخطوة، تريد أرملة الوناس، مثلما أوردت في رسالتها، استغلال كل الأدلة القضائية الممكنة، من بينها إعلان «الجماعة الإسلامية المسلحة» مسؤوليتها عن اغتيال زوجها، واعتراف من كان مسؤولاً في هذا التنظيم الإرهابي وقت وقوع الجريمة، لكن إشكاليات كبيرة قد تقف عائقاً أمام إعادة فتح القضية. هذا ما يقوله لنا المحامي أمين سيدهم المتابع للملف، خصوصاً «أن من تتهمه نادية هذه المرة، هو أحد المستفيدين من ميثاق السلم والمصالحة الوطنية في الجزائر، الذي يمنع ملاحقة العناصر الإرهابيين الذين أعلنوا توبتهم عن العمل المسلح». ويشاع أن حسان حطاب الذي تتهمه أرملة معطوب الوناس، كان من بين الذين أعدوا بيان إعلان اغتياله، لكن هذا البيان لم يظهر قطّ إلى العلن. علماً أنّ حطاب من أشهر أمراء الجماعات الإرهابية التي زرعت الرعب في الجزائر في فترة العشرية السوداء في التسعينيات حيث سقط 200 ألف جزائري ضحية العمليات الإرهابية.
لذلك، تفتح هذه القضية جراح الأزمة الوطنية في الجزائر، إذ تعبّر جمعيات عدة تمثل ضحايا الإرهاب في الجزائر عن عدم رضاها عن قانون المصالحة الوطنية الذي يمنع ملاحقة العناصر الذين استفادوا من تدابير هذا القانون أمام القضاء، ما أدى بالعدالة الجزائرية إلى رفض الكثير من القضايا المشابهة.
ولا يزال اغتيال الوناس، يشكل صدمة لمحبيه، خصوصاً في منطقة القبائل (الأمازيغ) التي ينحدر منها. وبقي اغتياله أحد الألغاز التي لم تستطع الأيام فكّها، إلا أن شهادات من عناصر سابقة في تنظيم «الجماعة الإسلامية المسلحة» حول ظروف اختطافه واغتياله، أعادت قضيته أخيراً إلى الواجهة.
وحتى اليوم، يحتفل محبو معطوب الوناس بذكراه كل سنة، ويعتبرونه أحد أكبر مطربي الأغنية الأمازيغية في الجزائر ورمزاً من رموز الحرية والتمرد. اشتهر بأغانيه التي توجه انتقاداً حاداً إلى السلطة في الجزائر، وإلى التيار الإسلامي المتشدد الذي كان مسيطراً بأفكاره في التسعينيات. ورغم التهديد الذي واجهه من الإرهابيين الذين اختطفوه في الجبل لأكثر من عشرين يوماً، ثم أطلقوا سراحه قبل أشهر من اغتياله، إلا أنّه بقي وفياً لأفكاره ولم يتراجع عنها، فاستحق عند أنصاره لقب «شهيد الحرية».