عندما أراد ثيسيوس ذات مرة أن يفض نزاعاً على الحدود، أقام عموداً كتب عليه: “هذه ليست بيلوبنيز بل إيونيا، وعلى الصفحة الأخرى كتب: هذه ليست إيونيا بل بيلوبنيز”. ثمة عمود مماثل يحرس أعتاب مؤلفات إيف بونفوا (1923 ـــــ 2016)، كُتب عليه من الخارج: هذا ليس الواقع، بل الوهم، ومن الداخل: هذا ليس الوهم بل الواقع.

اعتدنا من فلوبير وهنري جيمس افتراض أنّ الأعمال الفنية نادرة وأن إنجازها مضنٍ، لكن إيف بونفوا لا يشاطرهما هذا الرأي. فقد كان يرى أن الأدب الجيد شائعٌ جداً ولا يوجد تقريباً حوارٌ في الشارع إلا ويرقى إليه. نقرأ «اللامحتمل» و«البساطة الثانية» كأننا نخترق مدينة رسمها قلم رمبرانت حيث كل واحد وكل شيء مُلتقط في حقيقته. الشاعر الفرنسي الذي رحل الجمعة عن عمر ناهز 93 عاماً، ولد في حزيران (يونيو) 1923 في تور وسط فرنسا الغربي، يقول «جئت من مكان حيث الناس منغمسون إلى ما لانهاية في مشاجرات سكارى، لكن لكل واحد أسلوبه الخاص في هذا». درس الرياضيات في كلية العلوم في باريس، وكان مولعاً بألعاب السرياليين (كان يأخذ معهم القطار وينزلون في مكان مجهول ويتركون هذا المكان يدهشهم). صاغ عدداً من المفاهيم الأساسية للحداثة الشعرية، ونهل من الكلاسيكيات مثل “قصائد الرعاة” لفرجيل وتراجيديات راسين و”فينومينولوجيا الروح” لهيغل و”نشيد الأرض” لماهلر الذي بالكاد كتب عنه لأنه يحب أن يشعر به يتسلل كعشيق شبق إلى كتاباته وألفاظه.
صاحب جائزة غونكور للشعر (1987) يحمل بوصلة طائشة ويريد أن يهدم ويبني، ويهدم ويبني إلى ما لا نهاية، ألّف أكثر من مئة كتاب في خطاب شعري مترامي الأطراف، لكنه أكثر قرابة إلى الفيلسوف أو العالم النباتي من «التروبادور» الشاعر الجوّال. كانت لديه رغبة عارمة في «الاحتفاظ بكتاب واحد فقط في العالم». عندما نشر عمله الأول، لم يكن ينوي نشر عمل ثان مغاير، فهو يرى بأن الشعر بمثابة الحفر في موضع واحد من الكلام، ولم يخفِ انبهاره بإخلاص الذين عملوا على كتاب واحد طيلة حياتهم مثل بيزيل بانتينغ وزوكوفسكي وبيريمان وباوند وويتمان.
حطم بونفوا الأشكال المغلقة التي ينعزل فيها الشعر، وخلق أشكالَه في حركة مستمرة من التبديل والبحث والمغامرة، كمن يخلق «أراضي ميعاده» الدائمة، من دون أن تغادره الخشية من كثرة المشاريع التي يمكن أن تطبع مصير كاتب ما، في عالم تتعدد فيه النشاطات وتشتدّ منافستها. يقول إن أعماله قد تبدو متباينة في الظاهر، كما هو شأن الأبحاث الكثيرة والترجمات، لكن هذا التمايز ناتج عن كتابة واحدة. الفن يشترط مساحة أخرى من الوعي، لا البصري فقط. لذلك انشغل بالرياضيات وتاريخ العلوم والمنطق، لكن هذا شكّل أول خطوة في المسافة التي سيقطعها مبتعداً عن شعر البدايات لتحمل قصائده اللاحقة سمات التجريب الأولى. ابتكر أسلوباً شعرياً يجمع بين متتاليات حسية وبصرية من جهة، وأخرى رمزية تتحرك وسط الموضوعات الثابتة نفسها كالأسطورة والتشكيل حيث يوظف بونفوا لوحات الرسامين الذين «يتألمون من الاغتراب الذي يقض مضجعهم أكثر مما يحقق خلاصهم» جسرَ عبور إلى القصيدة.
بوسع الجمال أن يكون واضحاً وضوح صوت الجرس، بهجة للعين والذهن. وهذه البهجة أشبه باليقظة من النوم. في لوحات الرسامين، وجد بونفوا شيئاً من نقاوة الفن البدائي الذي يسكن عالماً طرياً نظيفاً بقدر ما هو أيضاً قديم، عالَم أشكال الروح. ولذا، فإن البوشمن الاستراليين ونحّاتي الأصنام الافريقيين وهنود النفاجو الحمر الذين يرسمون بالرمل، ما زالوا أبرع من غيرهم، فأشكالهم دقيقة دقة المخططات الهندسية وحية متوثبة. وحسب المرء أن يقدر جمالها ليخرج إلى الهواء الطلق النقي، تنيره النبوة والشعر.
الشعر ليس زهرة الزنبق على شعارات النبالة الثقيلة للفرسان الرحالة، هو عالم طفولي مصنوع من الحليب والسحاب، يتمسك به إيف بونفوا قدر الإمكان. لكن حين نسأله عن علاقته باللغة في سنواته الأولى، يلوذ بالتحليل الفرويدي قائلاً إنه ليست لديه القدرة على الجمع بينه وبين الطفل الذي كانه، كما هو شأن السلالم ذات الدورات اللولبية المزدوجة لبعض القصور في عصر النهضة. يوشوشنا وهو يخلع جوربه ويرتّقه في القطار أنّ رغبة الشعر يمكن أن تتشكل منذ اليوم الذي تقدم فيه للطفل كتباً لفهم القراءة، في صفحاتها فقط ثلاث أو أربع كلمات بجانب الصورة البيانية الرائعة للحيوان أو للشيء بدون سياق. الشعر لا يٌكتب بالوعي لأنه في كينونتنا ذاتها، هو «التيهان باتجاه كل الطرق المسدودة».
يقول رونيه شار “في الشعر، لا يُسكَن إلا المكان المغادَر، لا يُخلق إلا ما يُنفصل عنه، لا تُنال الديمومة إلّا بتحطيم الزمن. هو كل ما يُنال بالانفصال والانفكاك والنفي». ما يُذكّر بقصيدة بونفوا المترددة المتشققة، إذ كل شيء يجري كما لو أن الخيالي المُتَّهم بحجب الواقعي، يتشكّل من جديد ويتأسس بوصفه عالماً منفصلاً شرعياً وثابتاً. نقرأ في قصيدة “النهر” من كتابه «في خديعة العتبة»: «المدى الذي يبدو مرسوماً في الفراغ/ كتل أوكسيد الكوبالت النيّر في الوادي/ لا تكاد ترتعش، ربما هي انعكاس/ أشجار أخرى وحجارة أخرى في النهر». هذه الكلمات التي تعمل دائماً على نسج عتبة بين عالمين، نصغي إليها كمن يصغي إلى المطر يقطّر من الأفاريز، لكننا نعرف أن ثمة خدعة في مكان ما. فالصورة ليست كما تبدو و«الكلمات كمثل السّماء/ اليوم،/ شيء ما يتجمّع، يتبدّد/ الكلمات كمثل السماء/ لا نهائية/ لكن كلّها فجأةً في حفرة الماء الصغيرة».