انقلاب الخمس ساعات في تركيا ليل الجمعة ــ السبت، الذي خطف أنفاس العالم، وتسارعت فيه الأحداث بطريقة دراماتيكية مخيفة، قسّم المشهد الإعلامي العربي إلى جناحين. بدا ما يحدث في الميدان التركي مجتزأ، بفعل التسييس وتضارب أجندات القنوات الفضائية. مشهدية يمكن اختصارها بتغطيتيّ قناتي «الجزيرة» و«العربية»، اللتين فرّقتهما تركيا بشكل مفصلي، فيما أجّجت التغطية الإعلامية لفشل الانقلاب العسكري النار بين القناتين، إلى درجة تبادل الاتهامات وشن الحملات الافتراضية. مثلاً، اتهمت «العربية» بالانحياز إلى العسكر، والتطبيل لهذا الانقلاب، في مقابل إعلان القناة القطرية بُعيد انتهاء الانقلاب «انتصار الديمقراطية» في تركيا.

إذاً، مشهدان متناقضان سادا التغطية الإعلامية للانقلاب الفاشل في تركيا. القناتان اللتان تتقاسمان الخبز السوري المدمّى منذ أكثر من خمس سنوات، فرّقتهما تركيا. لعبة هذه التغطية هذه المرة كانت عبارة عن حرب صور، عبر سلسلة تقارير مصوّرة، مصحوبة بموسيقى، تجمع ما حصل في الساعات الخمس في أقل من دقيقتين.
على «الجزيرة»، يتحدّى «متظاهرون بصدور عارية» الدبابات، من دون أن «يخيفهم الرصاص»، وأتراك «لا يريدون العودة إلى حكم العسكر». على الضفة الأخرى، صور لأرتال من دبابات الجيش من «الانقلابيين» على «العربية»، وإلى جانبهم مواطنون أتراك يلقون عليهم التحايا. مشاهد متسارعة متناقضة حكمت هاتين الشاشتين، فيما لم تُعرف حقيقة ما يجري على الأرض. وبعيد انتهاء الانقلاب السريع، بدأت تتوالى صور الجنود المستسلمين، وخوذهم وثيابهم التي تُركت أرضاً. هنا، فننت «الجزيرة» وتفرّدت بمجموعة صور مذلة لهؤلاء الجنود وهم نصف عراة، مكوّمون فوق بعضهم البعض، فيما تقوم بعض المجموعات بجلدهم.
حرب الصور على الشاشات انسحبت هذه المرّة على العالم الافتراضي. صب الناشطون جام غضبهم على تغطية «العربية»، واتهموها بـ «الانحياز لصالح الانقلاب العسكري»، وخصّوا في هذا السياق المذيعة نيكول تنوري (تعمل لدى القناة السعودية) بمساحة لا بأس بها. فقد زلّ لسان المذيعة اللبنانية لدى قراءة تصريح الرئيس التركي السابق عبد الله غول، إذ قالت: «محاولة الانقلاب (للأسف) تم إحباطها». أسفت تنوري لفشل هذا الانقلاب مما فتح المجال أكثر لانتقادها على ساحات السوشال ميديا. الحملات المضادة على مواقع التواصل الاجتماعي بين الناشطين، انسحبت أيضاً على رأس الهرم. تبادل المدير العام لقناة «العربية» تركي الدخيل ومدير قناة «الجزيرة» ياسر أبو هلالة الاتهامات. دافع الأوّل عبر تويتر عن تغطية قناته للحدث، مؤكداً أنّ «العربية» نقلت الأخبار «كما وردت على القنوات التركية مثل كل المحطات. لم نفرح بالإنقاب ولا فرحنا بفشله...». من جانبه، ردّ أبو هلالة بتغريدة شدد فيها على أنّه «ليس صحيحاً أنّ الإعلام لا يفرح ولا يحزن. هل تغطية جنازة الأميرة ديانا كتغطية عرسها؟ استشهاد محمد الدرة كهروب بن علي؟». «الجزيرة» التي صفق لها الإعلام الإخونجي واصفاً تغطيتها بالـ «موضوعية»، وجّهت بدورها سهامها تجاه الإعلام المصري والسوري الرسمي «المنحاز والمطبل للانقلاب العسكري في تركيا».