كأنّ الإعلان عن تأسيس فضاء جديد في الكرّادة في بغداد، يضمّ مقهى ومكتبة في آن معاً، إحدى صور المواجهة للبشاعة التي خلفها الانفجار الأخير في حيٍّ كثيراً ما اختبر الموت منذ 13 عاماً. «گهوة وكتاب» الذي سيُفتتح مساء اليوم، يؤكّد أنّ الرهان على الكرّادة لن يكون خاسراً أبداً. اختيار هذا المكان ــ وبالتحديد شارع الداخل ــ لإطلاق مشروع ثقافيّ ــ ترفيهيّ، ينمّ عن دراية بخصوصيّة هذا المحيط، المحتضن للمتناقضات، الذي ظلّ مانحاً لمساءات مختلفة وخطوات مشي لم تأبه أبداً لنُذر الموت المفاجئ.

المقهى الجديد الذي اتّخذ مساحة في الطابق العلوي من إحدى المباني شارع الكرّادة داخل، سيكون في قلب الحيوية المعهودة هناك، يتجاور مع مقهيي «إرخيته» و«بن رضا علوان» في الجانب الآخر، وتحته الشارع الذي لا تنطفئ فيه الحركة حتّى منتصف الليل.
ياسر عدنان، مؤسّس المشروع ومديره، نجح سابقاً في إطلاق دار «منشورات عدنان» في شارع المتنبي في عام 2011، أي بعد خمس سنوات تقريباً من استشهاد والده بتفجير شارع المتنبي. في مقهاه الجديد، سيكون هناك فرع ثان لهذه الدار، فهو يعرف أنّ شارع المثقفين والكتاب الذي برز فيه، تتوقّف حركته عند الثالثة من بعد الظهر كأقصى حدّ، في حين أنّ الكرّادة كثيراً ما رعت مساءاتها أنشطة ثقافيّة ليلاً.
يؤكد ياسر لـ «الأخبار» أنّ «مشروعنا عبارة عن مقهى ثقافيّ بحت، مع إدخال طابع حداثيّ عليه، مثل عرض الأفلام السينمائيّة ومباريات كرة القدم الأوروبيّة. لكن لا نرجيلة فيه. أسبوعيّاً، ستكون هناك استضافة أو نشاط ثقافيّ، ولكي نستمرّ بذلك، سنعتمد على أرباح المقهى الذي سيتوفّر فيه كلّ ما يطلبه الزبون. ليس ذلك فقط، بل المكتبة (الفرع الثاني من مكتبتنا في شارع المتنبي) ستكون مفتوحة للبيع المباشر وهناك مكتبة عامّة للقراءة».
وإذا كان الحزن حاضراً على أعمدة الكهرباء حيث صور الشهداء، وعلى جدران الأبنية حيث لافتات العزاء، فإنّ «قوّة الفرح» تشغل المنصّة التي تستحقها في شارع «الداخل»، ليس فقط بمنظر امرأة بغداديّة تترك مسيرها زاخراً بعفويّته بلا خوف من نظرات تلتهمها، وإنّما بقدرة غريبة لهذه الفسحة على أن تمنحك المفاجآت، يجتذبك فيها ــ قرب المقهى الجديد ــ إعلان عن صفوف لتعليم العزف على الغيتار «للمبتدئين»، وسط إعلانات مألوفة منذ سنوات: مأتم عاشورائي في حسينية.. قدّاس على روح مسيحي عراقيّ مات في مغتربه.. جامع كان ينوي الاحتفال بالمولد النبويّ.
في المقام نفسه، يأتي خبر هذه الولادة الجديدة على مسامع من تبرّأ من الأمل سريعاً بعد المجزرة الإرهابية المروّعة التي وقعت أخيراً وأودت بحياة المئات، لأنّه ملتقى جديد لن يساوم أصحابه على هويّته الثقافيّة. ملتقى مشغول بلوحات عدّة، منها أعمال للفنّان محمّد القاسم. وثمّة أمسيات دوريّة ستحافظ على الهويّة المعلن عنها، يمزج فيها المكان بين ضرورات الربح الماديّ وطموحات امتلاك منصّة ثقافيّة حرّة، فالكسب الضامن للاستمرار سيتحقّق من طلبات زبائن المقهى، ومن روّاد الفرع الثاني لمكتبة عدنان التي ستكون متاحة لمن يريد الاقتناء أو المطالعة.
يأسنا من غياب الدولة الحالية عن التفكير بإطلاق مشاريع حيويّة وتنمويّة كمكتبات عامّة وغيرها، تنسينا إيّاه مبادرات شباب أجمل ما فيهم أنّهم يجازفون بشجاعة من أجل أحلامهم التي تحمل ضمناً تحدّياً للتهديم المنظّم لصورة البلد ومستقبله.

افتتاح «گهوة وكتاب»: اليوم ــ الساعة السادسة مساءً بتوقيت بغداد ــ شارع الكرّادة داخل (إلى جانب مستشفى الراهبات).