بينما كان جمهور «مهرجان كان السينمائي الدولي» يشاهد فيلم «اشتباك» ضمن تظاهرة «نظرة ما» في أيار (مايو) الماضي، شنّت المذيعة في التلفزيون المصري أماني الخياط حملة عنيفة على الفيلم ومخرجه محمد دياب. لا تزال المذيعة تبحث عن شاشة جديدة تطل من خلالها على الجمهور، فيما رُشّح الفيلم ليمثّل السينما المصرية في الأوسكار.

وقع الاختيار إذاً على «اشتباك» (كاتبة محمد وخالد دياب، وإخراج محمد دياب) لتمثيل سينما المحروسة في مسابقة الأوسكار عن فئة «أفضل فيلم أجنبي»، التي ستعلن نتائجها في هوليوود في 26 شباط (فبراير) 2017. اللجنة المصرية التي رشّحت الفيلم تفادت أزمة العام الماضي عندما تأخّرت في اختيار شريط يمثل السينما المصرية، قبل أن تتدارك الأمر وتنتقي فيلم نور الشريف الأخير «بتوقيت القاهرة». لكن فرق التوقيت لم يأتِ في مصلحة مخرجه أمير رمسيس، إذ لم يدخل الشريط التصفيات أساساً. هذه المرّة، حصل الإعلان باكراً، ليؤكد «اشتباك» مجدداً أنّه الفيلم الأبرز في عام 2016، منذ أن خرجت أخبار عرضه في «مهرجان كان»، مروراً باختياره ليكون فيلم افتتاح تظاهرة «نظرة ما» في المهرجان الفرنسي الشهير.
الجدل حاصر الفيلم من زوايا عدّة. أحد منتجيه هو الداعية الإسلامي معز مسعود. ومشاركة رجل دين في إنتاج فيلم تُعَدّ سابقة، ما أثار حفيظة محبيه وتوجّس مناهضيه من الرسالة التي يحملها الفيلم. صنّاع الفيلم، وخصوصاً الأخوان دياب، ليسوا من مؤيدي ما جرى في مصر بعد ثورة 30 يونيو. وبما أنّ «اشتباك» يدور بالكامل داخل سيارة ترحيلات، كان منطقياً أن تستعيد الذاكرة واقعة لم ينسَها المصريون بعد، عندما لقي 37 شخصاً حتفهم خنقاً داخل سيّارة ترحيلات تابعة للشرطة المصرية في آب (أغسطس) 2013 . تصريحات دياب بأنّ الفيلم لا يدور حول الواقعة، بل يسعى إلى وضع المصريين أمام إنسانيتهم، لم تمنع الإعلامية المعادية لـ «ثورة يناير» أماني الخيّاط من شن هجوم على العمل في برنامج «أنا مصر»، تزامناً مع عرض الفيلم في «كان»، قبل أن تبث تقريراً كال الاتهامات لدياب ولدوره في «ثورة اللوتس»، لتنطلق حملة مضادة للخيّاط التي اضطرت إلى التراجع قليلاً، فيما أبدى دياب مخاوفه من تعرّض الفيلم لمضايقات رقابية. برنامج «أنا مصر» الذي كان يعرض عبر شاشة تلفزيون الدولة، توقف بحلول شهر رمضان الماضي، ولم تعد أماني الخياط إلى الشاشة منذ ذلك الحين، وهي تنتظر إعلان وجهتها المقبلة قريباً.
في المقابل، أكمل «اشتباك» مشواره، ودشّن صنّاعه حملة لدعمه في دور العرض بعد تحديد الأسبوع الأخير من تموز (يوليو) الماضي لإطلاقه. حملة رأى فيها بعضهم مبالغة وابتزازاً عاطفياً، ما دفع دياب إلى الاعتذار عن «منشور» ظهر على صفحة الفيلم على فايسبوك يدعو الجمهور إلى التقاط صور تذكارية مع سيارة الترحيلات. بوست اعتبره كثيرون، من بينهم متعاطفون مع الفيلم، بمثابة سخرية من معاناة الذين ركبوا تلك السيارات ظلماً.
حظي الشريط بإقبال جماهيري جيّد، ولم تحذف منه الرقابة أي مشهد، لكنّها اشترطت إضافة عبارة في بداية الفيلم تدين الإخوان المسلمين. حقق «اشتباك» إيرادات اقتربت من 300 ألف دولار أميركي خلال شهر واحد، واتفق مشاهدوه على أنّه عمل جيد من الناحية السينمائية، مشيدين بمعظم الأبطال، خصوصاً نيللي كريم وطارق عبد العزيز وأحمد مالك وغيرهم. لكن الاختلاف كان حول الرسالة السياسية للفيلم. هناك من رأى أنّه ينتمى إلى أفكار المرشّح السابق للرئاسة عبد المنعم أبو الفتوح، القيادي المنشق عن الإخوان المسلمين، وهناك من رأى أنّه يهدف فقط إلى دعوة المصريين للعودة إلى فطرتهم الأولى التي أفسدها الاستقطاب السياسي. وتزامناً مع تراجع الجدل حوله، عاد الشريط إلى الصدارة بعدما بات اليوم مرشحاً للمنافسة على جائزة أوسكار «أفضل فيلم أجنبي».
اختيار «اشتباك» جاء نتيجة تصويت أعضاء اللجنة المصرية المخصّصة لترشيح فيلم واحد سنوياً للحصول على شرف المنافسة، إذ حصل الفيلم على ثمانية أصوات بعد منافسة مع «نوّارة» لهالة خليل الذي حصل على ستة أصوات، فيما ذهب صوتان لفيلم «بعد الوداع» لكريم حنفي، وصوت واحد فقط لفيلم «هيبت» لهادي الباجوري، الذي حقق أكثر من مليوني دولار في شباك التذاكر. لكن يبدو أنّ الإيرادات ليست المعيار الأوّل عند الاختيار.