قد يختلف تقييم المادة التي بات رياض قبيسي يقدمها أسبوعياً على «الجديد» ضمن نشرة الأخبار المسائية. فقرة «فهلوي» عُرض منها الى اليوم حلقتان: الأولى عن الزواج المدني، والثانية عن مفهوم المواطنة. التقييم يختلف بين وجهة نظر ترى أن ما يقدّم من معلومات يقع في سلّم البديهيات، وآراء أخرى تقرّ بأهمية هذه التقارير التوعوية في تعريف الناس على هذه المفاهيم المدنية. ومع تعارض هذه الآراء، تبقى طريقة أداء وتقديم هذه المواد أسبوعياً. ذهب قبيسي الى التبسيط في تقديم المعلومة، وكذلك في الشكل والإخراج النهائي لفقرته الجديدة. استخدم تقنية «التحريك»، التي اختبأ وراء إحدى شخصياتها الكرتونية ليتولى عملية الشرح والتشريح، عبر سلسلة من الأنفوغراف. أربع دقائق إلا ربعاً تقريباً هي مدة كل تقرير الذي يبدأ عادة بظهور مراسل «الجديد» ليطرح القضية المثارة بطريقة خفيفة، درامية، تعتمد على محادثة نفسه، ليصل بعدها الى الشارع، ويستصرح عدداً من المارة حول هذه القضية. هذا الاستصراح الذي يجمع عيّنة من آراء الناس في الشارع، يقصد أنه لا يوضع في إطار جدّي، خاصة مع كمية الاستمزاج الذي تأتي أجوبته غريبة، أو مستهجنة، كاعتبار إحداهن أن المواطنة تعني التوطين، وتصرّ على أن يكون لبنان فقط وحصراً للبنانيين!

في الحلقتين السابقتين، طرح قبيسي قضيّتي الزواج المدني والمواطنة. في بداية التقرير، سرد مجموعة آراء وتصريحات تعود إلى الساسة اللبنانيين، الذين يرددون دائماً عبارات رنّانة من دون أن يكون لها ترجمة على أرض الواقع. من خلال التقرير الذي عرض الأسبوع الماضي عن قضية الزواج المدني، تعرّفنا بطريقة سلسة إلى مفهومه، وتفاصيله، وعلاقة رجال الدين به، وإمكانية تسجيل عقد الزواج المدني في المحاكم الشرعية، والشوائب التي يمارسها القانون اللبناني في تسجيل المتزوجين في قبرص أو تركيا مدنياً، في السجلات اللبنانية، مع حفظ حقهم في شطب طوائفهم عن بطاقات هوياتهم، وفي الوقت عينه عدم السماح بهذا القانون داخل الأراضي اللبنانية. وفي موضوع المواطنة، كان شرح لمفهومها وعلاقة الأفراد بالمجتمع، مهما تعدّدت أطيافهم، واتجاهاتهم الفكرية والسياسية، بكون الدستور حافظاً لحقوق الجميع وواجباتهم.
في الخلاصة، ومما ظهر من هاتين الحلقتين وما سيتبعهما، كان قبيسي موفّقاً في صناعة هذه الأجواء الجامعة بين الجدّية والسخرية، عبر تبسيط مفاهيم مدنية للبنانيين، وإزالة اللبس حول بعض إشكالياتها التي تكون عادة نتيجة للموروثات الاجتماعية والدينية. فقرة «فهلوي» هي أقرب الى درس في التربية الوطنية، لكن ليس بصيغة جافة، ولا بأسلوب استعلائي تلقيني، بل بصورة كاريكاتورية متحركة، لا تبعث الملل في نفس المشاهد، بل تحثّه على استكمال المضمون المصنوع بسلاسة وخفة ظل.