قبل خمس سنوات، كان آخر مساء تطل فيه دوللي غانم على المشاهدين في نشرة الأخبار المسائية. ضمن برنامج «نهاركم سعيد» في اليوم التالي، خصصت دقائق معدودة من حلقتها مع النائب السابق غطاس خوري، لتقول للمشاهدين: «يعزّ عليّ ودّعكم... عطيت النشرة أد نص عمري». في تلك الحلقة، بدت الإعلامية المخضرمة شجاعةً في مواجهة هذا الرحيل، بعد 26 عاماً من العطاء والتفاني على شاشة lbci. كانت تعلم أيضاً أنّ مكانها في البرنامج السياسي الصباحي مسيرّ على ساعة رملية، وسيأتي اليوم الذي لن تقول فيه «نهاركم سعيد». أعلنت وقتها أنه «حان وقت الفراق» في نشرة الأخبار، في انتظار «الفراق الأخير» أي مغادرتها «نهاركم سعيد»، وتساءلت «يمكن الدني تغيرّت وأنا ما تغيّرت. يمكن أنا تعبت».

خمس سنوات مرّت، وقد أتت لحظة مغادرتها محطةً أسستها مع زملاء وزميلات لها، بقرار من رئيس مجلس إدارتها بيار ضاهر، والذريعة تخمة في عدد مقدمي ومقدمات البرنامج الصباحي (الأخبار 4/9/2016). هكذا، غادرت دوللي غانم بعد 31 عاماً أمضتها في أروقة وشاشة وميدان «المؤسسة اللبنانية للإرسال». تغيب الإعلامية اللبنانية عن الشاشة التي قدمت لها أكثر من نصف عمرها، لتنضم الى قافلة الجيل المؤسس لهذه الشاشة. أول من أمس، فاضت مواقع التواصل الاجتماعي بخبر مغادرة غانم للشاشة، وهذا الأمر ليس بغريب، هي التي واكبت جيلين كاملين، تحديداً جيل الثمانينيات والتسعينيات: جيل الحرب والمتاريس الذي تابع المحطة عندما كانت حزبية وتابعة لـ «القوات اللبنانية»، وجيل شاب آخر، نشأ بعد الحرب، وطبعت ذاكرته صور ومواقف ووجوه يصعب نسيانها اليوم.
دوللي غانم التي لم يختلف على تقييمها أحد، استطاعت أن تجمع أطرافاً سياسية متناقضة أجمعت عليها، إذ كانت من الوجوه المحببة على الشاشة. استطاعت ترك بصمة ستظل في الذاكرة. جيّرت قواعد مهنية لصالحها، وبمخالفتها حجزت لها مكاناً في قلوب المشاهدين، هي التي عرفت بعفويتها المطلقة وتلعثمها الدائم، ونسيانها للأرقام والتواريخ، وضحكتها على الهفوات التي ترتكبها على الهواء... كل هذه التركيبة جعلتها مذيعة قريبة من الناس، وصارت هفواتها محطّ إعجاب وضحك لا نفور وعتب، فكسرت القواعد في عقر دار البرامج السياسية ونشرات الأخبار التي تتطلب جدية ورصانة عالية.
في كتابه «أسعد الله مساءكم» (هاشيت- أنطوان 2015)، يذكر الإعلامي زافين قيومجيان في الحقل المخصص عن lbci، أنّه في عام 1986 وضمن كسر المحطة لروتين الظهور عبر نشرات الأخبار، استحدثت نشرة أخبار مسائية بعنوان «أخبار آخر ساعة»، تدور فكرتها حول خروج المراسل من الاستديو الى أرض الميدان ليكون مشاركاً في نقل الحدث. غانم كانت وجهاً ترويجياً لهذه النشرة، حملت شعار المحطة، وأخرجت رأسها من نافذة السيارة لتتوجه الى مكان الحدث، وتوصل رسالة مفادها أنّ «المراسل مقدام لا يهاب أي خطر».
في عيد lbci التي احتفت به في 22 آب (أغسطس) الماضي، كافأت المحطة دوللي غانم، كما فعلت مع الرعيل المؤسس للمحطة، بالاستغناء عن خدماتها. انضمت دوللي الى زوجها جورج، ووجوه كثيرة ألفها المشاهدون: نورا خوري، يولاند خوري، جيزيل حبيب، يولا سليمان، ليليان أندراوس، مي متى، واللائحة تطول لجيل هؤلاء الإعلاميات اللواتي تركن بصمتهن في عالم الإعلام. هكذا، تركت الساحة الى جيل أكثر شباباً وجاذبية في الشكل، مع بعض الإثارة في مقابل القليل من الاتزان والرصانة والإعداد الجيد للمادة التلفزيونية. تفرض هذه المعايير الجديدة سطوتها على العالم المرئي، في حين يكرمّ الغرب إعلامييه وتزيد قيمتهم المعنوية والمادية مع مرور السنوات. في عام 1995، احتفلت «المؤسسة اللبنانية للإرسال» بعيدها العاشر، فأطلقت كليب «شرقت شمس lbci»، الذي كان يبشرّ بخروجها الى البث الفضائي، ووصول صورتها الى كل العالم. وبعد 21 عاماً على احتفالية «شمس lbci»، ومع مغادرة دوللي غانم اليوم، هل ستظل فعلاً شمسها مشرقة مع هذا المنحى والصورة التي تحاول صناعتها تحت عنوان مواكبة الإعلام الحديث ومتطلباته؟ قد تكون دوللي غانم وغيرها من أبناء وبنات جيلها محظوظين لأنهم خرجوا من الشاشة، وتربعوا في عقول وقلوب المشاهدين. اليوم وبعد 20 أو حتى 30 عاماً، هل سيكون لأحد ما من الوجوه الموجودة اليوم على الشاشة خاصة على lbci، الحظ عينه؟