بعد مرور نحو 3 سنوات، تعود فرقة العروض البهلوانية الموسيقية والراقصة الأشهر عالمياً «سيرك دو سولاي» لتقدّم عرضاً آخر في لبنان، تحت عنوان «فيرايكي»، بدءاً من اليوم حتى 12 أيلول (سبتمبر) الحالي. انطلقت مسيرة Cirque du soleil قبل أكثر من ثلاثة عقود، وكانت آنذاك تضمّ 20 فناناً يتجوّلون في الشارع من أجل تقديم عروضهم البهلوانية. لا حيوانات مروّضة يستقطب فيها القائمون على العرض المشاهدين، بل اعتماد على مهارة المؤدين الجسدية فقط. من هذه الناحية، لا يمكن اعتباره سيركاً بالمعنى التقليدي للكلمة. منذ انطلاقتها ومع تطورها على مر السنين، كوّنت فرقة «سيرك دو سولاي» هوية خاصة لنفسها، مزجت فيها بين الفن الراقص والمهارات الجسدية والموسيقى.

تماماً كما في العروض الأوبرالية، حيث الصوت والأداء يخدمان القصة المروية، تأتي الحركات البهلوانية واللوحات لتؤدي هذا الدور. الموهبة والطموح ساعدا على تطوير هذه الفرقة التي سرعان ما اتخذت كيبيك مقراً لها، وبدأت تقدّم العروض الفنية الترفيهية، بمستوى عالٍ. تجمع الفرقة حالياً أكثر من 1300 فنان آتين من 50 دولة في العالم.
ديكور العرض مصمّم ليُدخل المشاهد مباشرة في أعماق الأدغال. هو مبني على أسطورة «إيكاروس»، الذي نتتبع مغامراته بعد سقوطه في غابة مليئة بالمخلوقات. في الأسطورة الإغريقية، عندما يدنو إيكاروس من الشمس، تحترق الأجنحة التي صنعها له والده ويهبط في سقطة قاتلة. في القصة التي يرويها عرض «فيرايكي» (تحت إشراف دومينيك شامبين)، مصير إيكاروس مختلف وأكثر سعادة. يهبط الأخير في مكان غريب يجد صعوبة في التأقلم فيه في البداية، لينتهي به الأمر بالتكيّف معه والزواج بإحدى أجمل فتياته.
خلافاً للفظ الشائع للكلمة، فعنوان العرض يُلفظ كالآتي: «فيرايكي»، ما يعني بلغة الغجر «أينما كان». العرض هو تحية للروح البدوية والحرية التي يتمتع بهما كل من يعمل في مجال السيرك الجامع بين شغف السفر وإتقان الفن الصعب. في الاستعراض إذاً عدد من الفصول المترابطة التي تتتالى الواحد تلو الآخر لتخبر القصة. يفترض بالاستعراض أن يتضمن مشاهد بهلوانية على الأرجوحة (أو ما يعرف بالـ«ترابيز» بالأجنبية)، حيث يقدّم فنانون متمرّسون أداءً يكون غالباً حابساً للأنفاس. الخطأ ممنوع وهو نادر حصوله على أي حال، إذا استثنينا الحادثة التي أودت قبل نحو 3 سنوات بحياة سارة غويار غيو التي سقطت أرضاً من ارتفاع 15 متراً بعد خطأ تعرّضت له خلال تأديتها أحد المشاهد البهلوانية في عرض الفرقة في لاس فيغاس. لحسن الحظ، هذه الحوادث قلّما تحصل، وخصوصاً عندما نتحدّث عن فرقة عريقة وعالمية، يعتبر الدخول إليها أرقى اعتراف لأي مؤدي استعراضات بهلوانية. «فيرايكي» لا يقتصر فقط على تلك المهارات الجسدية القصوى، بل يُدخل المشاهد أيضاً في أجواء من الموسيقى والألوان والحلم. ليس من أحدث عروض الفرق، إذ انطلق في مونتريال عام 2002، وقد طرأت عليه تغييرات عدّة بطبيعة الحال، بما في ذلك إلغاء عروض أو استبدال أخرى. سواء كان المستعرضون معلقين بخيوط وحبال في الجو، أو كانوا يقدّمون أداءهم على الأرض مستخدمين أجسادهم وأدواتهم في حركات راقصة، كثيراً ما يتركون انطباعاً إيجابياً في نفوس المشاهدين والنقاد الذين أثنوا غالباً على هذا العرض.
إلى جانب الاستعراضات الحابسة للأنفاس، من خصائص عروض الفرقة دمجها بين مختلف أنواع الفنون. للملابس دور كبير في إدخال المُشاهد في أجواء القصة، لذا استوحت مصمّمة الملابس اليابانية إيكو إيشيوكا عناصر الطبيعة، نباتية كانت أو حيوانية، لصنع الأزياء المفعمة ألواناً وتفاصيل. أما الموسيقى، فتؤدي أحد الأدوار البارزة في العمل الذي يتضمن أغنيات عدة من تأليف فيولين كورادي. ترافق فرقة موسيقية عادةً العرض للعزف مباشرة، مستخدمة أنواعاً مختلفة من الآلات الموسيقية. مزيج من أغاني الـ«تروبادور» الفرنسية، والألحان الأرمنية، إضافة إلى موسيقى الـ«غوسبيل» والموسيقى الغجرية، مروراً بالروك والجاز. أنماط منوّعة ومتشعبة اعتمدت عليها المؤلفة لتأتي بتوزيع جديد مرافق لحركات الفنانين على المسرح، مراوحة بين مقاطع هادئة، تأملية، حزينة أحياناً، وأخرى حيوية سريعة الإيقاع تُضفي التشويق على سير العرض.