لا نعلم عدد الوجوه التي كان يختزنها نذير إسماعيل (1946- 2016) خلال شهقاته الأخيرة، إذ باغته الموت أمس، قبل أن تكتمل ملامح وجوهه على قماشة اللوحة. طوال نصف قرن من العمل الشاق، أودع هذا التشكيلي السوري البارز مئات البورتريهات في متحف الوجوه. وجوه فزعة، وأخرى مطمئنة، وثالثة تعيش قلقاً عميقاً. عيون مغمضة، وأخرى مفتوحة باتساع، ذلك أن هذا التعبيري المشّاء ظل يطارد كائناته في أحوالها المتبدّلة من دون هوادة، كأنه يرسم لوحةً واحدة. ربما كان يفتش عن وجه أبيه الذي لم يره إلا في صورة فوتوغرافية قديمة، هو الذي نشأ في ملجأ للأيتام.

علاقته باللون بدأت باكراً خلال زياراته إلى مشغل خاله لصناعة البسط. فقد كان يسلّي عزلته بوضع خيوط الصوف في كأس ماء ويراقب عملية تحلّل اللون بدهشة، كما كان عبوره اليومي أمام دكان الرسّام الفطري «أبو صبحي التيناوي» الملاصق لبيت جدّه في دمشق القديمة فسحة سحرية لاكتشاف قيمة الخطوط والألوان التي كان يبدعها هذا الرسّام في تصاويره الشعبية: «كنت أقف متأملاً تلك الرسوم البديعة، وكيف كان أبو صبحي لا يتوانى عن وضع ذيل حصان عنترة، أو سيف الاسكندر ذي القرنين خارج الإطار، إذا لم تكفه رقعة الزجاج التي كان ينقش شخصياته فوقها».
لاحقاً، سوف يتجرأ على اقتحام مقهى كان يرتاده فاتح المدرّس، طالباً منه رأيه بلوحاته. لم يخيّب الفنان الرائد أمله، فقد رافقه إلى منزله بحماسة لمشاهدة أعماله. وهناك نصحه بأن يرسم بالأبيض والأسود أولاً، بالإضافة إلى تعليمات أخرى، كانت بالنسبة لهذا الرسّام الشاب بمثابة خريطة طريق. انتسب أولاً إلى مركز الفنون التطبيقية لدراسة فن الطباعة على القماش بتأثير مشاهداته الأولى. سيصدم باكراً إثر رفض مشاركته في المعرض الأول لجمعية «أصدقاء الفن»، لكنه سيتمكّن من المشاركة في المعرض الثاني للجمعية، وستستقبل أعماله بحفاوة نقدية لافتة لن تتوقف طوال 50 معرضاً فردياً أنجزها في حياته، كان أولها في عام 1966 في بيروت، تخللتها جوائز مهمة، أبرزها جائزة «أنتر غرافيك» في برلين (1980)، وجائزة «بينالي الشارقة الأول» (1996).
هكذا أسس هوية تعبيرية خاصة به، سواء لجهة الخطوط، أو المواد التي يستعملها في رسم لوحاته، حتى أنه كان يحضر تراباً من قرى حوران ويمزجه مع مواد أخرى، وإذا بلوحته تتخذ طابعاً محليّاً خالصاً. مشغله في حي الأمين أشبه ما يكون مستودعاً للخردة، فقد اعتاد خلال ذهابه مشياً إلى المشغل التقاط كل ما يلفت انتباهه من المتروكات المهملة وإعادة تدويرها إلى أشكالٍ فنية مختلفة، بالإضافة إلى اقتناء الانتيكا من أسواق السلع المستعملة، وخصوصاً الفنون الشعبية السورية القديمة، كالأيقونات النادرة، والصور الفوتوغرافية عن تاريخ دمشق، ولوحات لخطاطين كبار مثل رسا التركي، الذي أعاد كتابة خطوط الجامع الأموي بعد حرقه، ومتشكين الفارسي، ووريثهما السوري بدوي... وصولاً إلى تصاوير توراتية وبيزنطية وإسلامية لقديسين وأنبياء، كان يرى أنها التعبير الأمثل عن غنى الحضارة السورية وتنوع مرجعياتها الدينية. رحل نذير إسماعيل من دون أن يتخلّى عن عبارته الأثيرة «أخشى الجملة البصرية المستقرة».