يحدث غالباً أن تكون الحقيقة هي ما تواطأ عليه أصحاب الشأن، ويحدث أيضاً أن يتنبّه البعض، ولو متأخرين، لأنصاف الحقائق المهيمنة فيعمدون إلى تنقيتها من الغموض. يحدث كذلك أن تؤدي عملية الكشف تلك نحو حقائق مغايرة للسائد فيستحق الأمر حينها أن يحسب إنجازاً. ينطبق هذا التوصيف على مشروع «متروفون» الذي أطلقه «مترو المدينة» (الحمرا ــ بيروت) في أيّار (مايو) الماضي، وهو عبارة عن أمسيات فنية مخصصة لفنانين كبار، استحضاراً لأرشيف الإذاعة اللبنانية القابع في المستودعات ولجزء من التاريخ الغنائي اللبناني المنسي والمهمل. تقف خلف هذه الأمسيات التي يستضيفها المترو كل يوم جمعة تقف خلفها مجموعة من الطامحين إلى تصويب التاريخ الفني، ما يعني أننا أمام حالة اعتراض تتخطى الحياد الذي يغلفها.

في إطار تفسير خطوتهم، يقول القائمون على «متروفون» إنّها تهدف إلى «إنصاف بعض من ظلمهم التاريخ الفني، وحرمهم من المكانة التي يستحقونها في وجدان المتابعين»، وهم اعتمدوا ديكوراً لعملهم يذكّر بأجواء الإذاعة، ما يحيل بوضوح إلى تحميلهم وسيلة الإعلام الأثيرية مسؤولية تكريس قامات فنية وإهمال أخرى وفق رؤية لا يمكن الدفاع عن حياديتها. هناك قرار واضح، كما يحسم معد «متروفون» هشام جابر، بدفع الكثير من الظواهر الفنية المستحقة نحو الهامش، وإلا فما هو مبرّر الإقصاء الواضح الذي تعرّضت له فنانة بحجم وداد، وهي صاحبة صوت لا يختلف اثنان على تميّزه؟ ما معنى أن يكون لفنان بحجم زكي ناصيف هذا الحضور الخجول في وجدان العامّة بالرغم من كونه قامة فنية راسخة؟ أسئلة كثيرة يزيد من مشروعيتها إصرار الإذاعة الرسمية على حفظ الكثير من الإنجازات الغنائية في الأرشيف وحرمانها من فرصة الانتشار، لتفرض في المقابل أصواتاً محدّدة على جمهور مستمعيها، ومنحها فرصة غير عادلة لريادة مزعومة.
المشروع بالإجمال لا يهدف فقط إلى رفع الغبن اللاحق بشريحة من الفنانين تخلّى عنها الحظ فحرمها من نيل حظوة المعنيين، بل إنّها تعكس أيضاً سعياً لإنصاف المتلقي أيضاً. فهو كان عليه أن يكتفي بإرث غنائي خاضع لانتقائية صارمة، وأن يقبل بخسارة جزء كبير من ذاكرته الفنية إرضاء لنزوات البعض، مما يعني بوضوح أنّ التاريخ الفني أيضاً يكتبه المنتصرون!
أولى حلقات «متروفون» كانت مخصصة لوداد، فيما كانت الثانية من نصيب الثنائي طروب ومحمد جمال، على أن تُخصّص الثالثة التي تجري الليلة ويوم الجمعة المقبلة للفنان سمير يزبك (الصورة) الذي رحل عنّا في آب (أغسطس) الماضي عن 77 عاماً بعد صراع مع المرض. تشتمل الفعالية على تأدية مختارات غنائية للفنان المعني، بالتوازي مع سرد بعض التفاصيل المحورية في حياته، والتي كان لها تأثير على مساره الفني. في حفلة الليلة، سيكون المتابعون على موعد مع أغان مميزة لسمير يزبك: «هزي محرمتك»، و«لو بتشك براسك ريش»، و« دقي دقي يا ربابة»، و«اسأل علي الليل»، و«موجوع»... وبعض مواويله المميّزة. سيؤدي هذه المختارات الفنان زياد جعفر، أما الفرقة الموسيقية فتتألف من فرح قدور (بزق)، وأشرف الشولي (عود)، وبهاء ضو (إيقاع)، وجورج الشيخ (ناي)، في حين يتولى هشام جابر مهمّة السرد.

«متروفون» يقدّم سمير يزبك: الليلة و21 تشرين الأوّل (أكتوبر) الحالي ــ الساعة التاسعة مساءً ــ «مترو المدينة» (الحمرا ــ بيروت). للاستعلام: 76/309363