في الثمانينيات، غصّت جدران المدن والقرى اللبنانيّة المناصرة لحزب الله بالملصقات الدينية والسياسية، صانعة وعياً اجتماعياً، يشكل تعبئة لأنصارها. احتجبت هذه الصور والرسوم لسنين طويلة، ثم طفت مجدداً أخيراً في باحة عاشوراء المركزية (منطقة الجاموس)، التي أخذت مكان ملعب الراية.

باتت الساحة الجديدة ملعباً يغصّ برسومه، وأشبه بكتلة متراصفة من مساحات لونية صافية يغرق فيها البصر. أسّست مجموعة التنسيقية العمل تحت عنوان «إلا جميلاً» بالتعاون مع مجموعة «ملتقى ألوان» والرسّامين أحمد عبدالله وفؤاد شهاب ومجموعة أخرى تُعنى بالغرافيتي، إضافة إلى حوالى 75 رساماً من مختلف الطوائف، تراوح أعمارهم بين 8 و65 سنة.
تمزج هذه المبادرة الشبابية بين الإحاطة بسياق كربلاء والرصد التحليلي لتجلّياتها البصرية والإعلامية، مقدّمة مساهمة في فهم حيثيات الثقافة البصرية وتوظيفها لقراءة تاريخ الصراع وتأثيرها الحالي.
على مدى أيّام، لفتت هذه الأعمال أنظار الناس، خصوصاً لجهة الغزارة، إذ وصل عددها إلى حوالى 75 رسمة، ما عدا الجداريات التي ما زالت موجودة داخل الباحة. إحدى هذه الجداريات نفذها عبدالله بطول 50 متراً، ملخّصاً المعركة بمجملها. ومن المرجّح أن تُعرض الرسوم (لا الجداريات) في معرض مقبل، بالتوازي مع «أربعينية الإمام الحسين» بعد شهر تقريباً.
تميّز هذا العمل بالانتقال من نمط تعبيري ارتبط في الفترة الأخيرة بالفيديوات والغرافيكس، إلى الرسم من دون إغفال النمط الأوّل، ومن زمن البدايات ــ انطلاقة المقاومة ــ إلى الزمن الحالي.
في هذه الأرضية الخصبة، زرع هؤلاء الشبان أعمالهم، راصدين مفهوم كربلاء في اللاوعي الجماعي، وشاهدين على اختلاط الأزمنة والحقائق. في البدايات، كانت حركة الفن خجولة، بينما تتجه اليوم نحو الاتساع والنمو. تعبّر هذه الأعمال عن أصالة الذكرى التي يمنحها الزمن الراهن وجوداً حيّاً يهز العواطف، لتترك الرسوم تأثيراً في النفوس يصاحب الحالتين الوجدانية الجماهيرية والمعرفية النخبوية، فتضيف إطاراً أوسع للمناسبة التاريخية.
التجارب الحديثة هذه السنة، التي أشرف عليها ورعاها «إعلام منطقة بيروت»، زاوجت بين المقاربات وزوايا النظر، وجعلتها تلتقي عند نقطة واحدة: كربلاء بمفهوم الصراعات الحالية؛ ارتباطاً بالإنسانية والشهادة والصبر وقتال أيدولوجيا التكفير من لبنان وسوريا والعراق وصولاً إلى اليمن.
من جهته، يؤكد مسؤول إعلام منطقة بيروت، غسان درويش، أن حزب الله يقدم «عاشوراء النموذج. يعكس صورة حقيقية ونقية لما جرى في كربلاء، ويغيّر من خلالها القيم الاجتماعية السلبية من اللامبالاة والتخاذل والخنوع، إلى التعاون والإيثار والجهاد». وإذا ما كان كثيرون يقيّمون أعمال الإنسان أو الأحزاب أو الجمعيات حسب ظاهرها، فما «قدمه حزب الله، ولا يزال، يأتي في إطار الثورة على مظاهر التخلف الفكري والاجتماعي والسياسي التي لحقت بثورة الحسين».