برحيل الدبلوماسي والأديب المؤدب واجد أحمد دوماني، يسقط غصن من شجرة الأحبة، وينقص رغيف من معجن البركة. كان واجد دوماني رجل خبرات وتجارب وثقافة وأدب وأحلام عذاب، وكان فوق ذلك كله دمث الخلق، عفيف اللسان وحسن العشرة. عرفته منذ 35 عاماً، ولم أسمعه يوماً يتفوّه بكلمة نابية، وأعتقد أن الذين عرفوه وجايلوه من أصحاب وخلان يشاركونني الرأي في هذا الرجل الكريم النفس والسجية والطباع.

يقولون عن الذي يموت إنه انتقل إلى جوار ربه، لكن واجد دوماني كان من الذين سكن «الله» قلوبهم طوال حياتهم على الأرض، أو عاشوا في قلب «الله» كما يقول جبران في كتاب «النبي». كان عاشقاً للحياة، شغوفاً بها. لم يكن متديّناً. لكنه كان شديد الإيمان. لم يظهر في حياته كلها عصبية سياسية أو دينية أو مذهبية، وهذا ما جعله موضع احترام الناس وتقديرهم له، على رغم تباين طبقاتهم ومنازلهم.
كان «أبو أحمد» من عشرائي الدائمين في السنوات الطويلة التي أمضاها في لندن. أذكر فصلين أو ثلاثة من فصول الصيف كنت أراه فيها كل يوم تقريباً. أحببته مثلما أحبه كثيرون، وكانوا بالمئات. منهم من عرفه عن قرب، ومنهم الذين قرأوا كلمات كان ينشرها هنا وهناك في غير صحيفة ومجلة. خلال جلسات طويلة في شؤون الناس والدين والعلم والموت والحياة، وما وراء الطبيعة، كان في حديثه شيء من الرسولية وحكمة البراهمة، وليس من الغرابة في شيء أن يقول عنه شيخنا الراحل الجليل عبد الله العلايلي، وهو يوصي به للعمل في مدارس المقاصد «واجد دوماني أخ فاضل، تقيّ، حسن الأحدوثة، نافع الأثر».
في السنتين الأخيرتين من عمر واجد دوماني، تراجعت صحته فلزم البيت والمقعد. أعترف بأنني كنت أشعر بحزن خافت ساعة كنت أراه في تلك الصورة، وهو الذي بقي يرفضها حتى آخر يوم في حياته. كنت أجد نفسي في بعض الأحايين، وعلى نحو لاإرادي، أقارن بين حاله تلك، وحاله يوم عرفته في لندن؛ رجلاً مبتسماً طروباً، نشيطاً، عاشقاً للحياة، ممتلئاً بالفرح كأجمل ما يكون الفرح، فأدرك على التوّ كم تخذلنا الحياة في بعض مراحل العمر، وأعود فأتذكر ما قرأت في سيرة عمر بن الخطاب، وبيت شعر لعبدة بن الطبيب، كان الخليفة الثاني يؤثره على غيره من أبيات الشعر، ويردده كلما ألمت النوائب «والمرء ساع لأمر ليس يدركه / والعيش شُح وإشفاق وتأميل».
مارس واجد دوماني الصحافة، وعمل في الإذاعة وكتب في صحف لبنان والخليج، ومارس التعليم في لبنان والبحرين والكويت أعواماً طوالاً، وانتشر تلاميذه في أقطار الخليج كلها، ومنهم من تبوأوا في ما بعد مراكز مهمة في الإدارات العليا، ثم خلع «ثوب الشقاء»، كما كان يسمي مهنة التعليم، ودخل معترك العمل الدبلوماسي، وشغل لسنوات طويلة منصب الملحق الإعلامي في سفارة الكويت في بيروت، كما ربطته علاقات وصداقات وثيقة مع الصحافيين والشعراء والكتاب والسياسيين، وأصحاب القرار في الكويت، ومع أعيانها وشيوخها، وخصوصاً الشيخ صباح الأحمد، الذي كان وزيراً للإعلام والتربية، ثم أميراً للكويت في ما بعد.
الكثير من تفصيل حياة واجد دوماني الثرية بالتجارب، مدوّن في الكتاب الشائق الذي أصدره قبل أربعة أعوام تحت عنوان «وجدانيات»، وهو مذكراته، التي ما كان يريد أن يخطها لولا إلحاح من ابنه الوحيد أحمد، وبناته الثلاث. وليس هذا الكتاب إلا سياحة قصيرة في حياة واجد دوماني، لأن المذكرات، مهما كان شأنها، ومهما كانت هوية كاتبها، ليست إلا نتفاً صغيرة، وجزءاً يسيراً من صورة كبيرة هي الحياة بما تختزنه من تفاصيل ودقائق، وما تاريخ أي إنسان إلا رغوة متطايرة فوق بحر الحياة الإنسانية. أما أعماق الإنسان فأبعد وأوسع من أن يتناولها قلم أو يستوعبها بيان، أو هي كما يذكر ميخائيل نعيمة في كتابه «سبعون» ليست إلا خريطة للدلالة على ارتفاع هذا الجبل وامتداده، أو ذاك النهر واتجاهه، لكنها لن تدل على ما في الجبل من أخاديد ومنحدرات، ومن تراب وصخر، ومعدن ونبات وحيوان، وما في النهر من قطرات، وما في قعره من حشائش وأسماك، وما على جانبيه من رمال وأدغال، وما فوقه من فضاء وسماء.
كان واجد دوماني من الناس الذي صرفوا وقتاً كبيراً من حياته في التأمل، ومحبة الحكمة. كان يعتبر رأس الحكمة مخافة «الله»، ومخافة «الله» كانت تعني في نظره كل شيء، بل كانت الإيمان كله. كان يردد تلك الآية القرآنية الكريمة: «الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم ألا بذكر الله تطمئن القلوب»، وقد أخبرني غير مرة أن طه حسين كاد يقترب من الإلحاد، لكنه عندما سمع في إحدى المرات تلك الآية اهتز لها فؤاده، وعاد إلى الإيمان.
كان في قلب واجد دوماني شيء من الطفولة، ونادراً ما كان يغضب، لكنه كان سريع الغضب، سريع الرضى، وكان غضبه حلواً ورضاه حلواً، وكان شديد الحب. وبقي على رغم مشارف التسعين، قوي الذاكرة، قوي العقل، ثاقب النظر، وأذكر قوله في زيارتي الأخيرة له وهو على مقعد لا يتحرك "لا شيء في الدنيا أثمن من الإيمان والصحة وراحة البال».