اللحظة التي يقفز خلالها زكريا من فتحة مطبخ نجيب، أو تلك التي يطعن فيها زبونه في عاصفة غضب عارم من الوجود كله، أو حتّى عندما يرقص حاملاً كأساً بين طاولات «ساندي سناك» ملتفاً حول نفسه تماماً كالمطعم الذي وُعد به للخلاص من لعنة بلاده... جميعها لحظات أسَرَت اللبناني والسوري والفرنسي والكندي، وكل عين شخصت إلى تلك الشاشة التي نقلت زياد الرحباني إلى القارة الأميركية، وتحديداً إلى إحدى أكثر مدنها حيوية مونتريال.

من كان واعياً لـ «بالنسبة لبكرا شو» في السبعينيات أو من قضى عقوداً يُتقن صقل الصور في مخيلته بناء على حوارات صوتية في نسختها المسموعة، استمتع بالعرض كأنه للمرّة الأولى. تسمع أحدهم يقول: لقد شاهدتها ثلاث أو أربع مرات. آخر يُدمِع العرض عينيه، ويستذكر بلاده في أيامها الحلوة، «حين كان النضال نظيفاً». سيّدة تتحدث عن دور هذا الإنتاج الثقافي في صقل وعي اقتصادي اجتماعي في بلاد صادرتها المؤامرة الدولية لتفرض عليها تصدير أبنائها.
الدخول إلى الصالة في حرم «جامعة كونكورديا» في وسط المدينة، كان محكوماً بطابور تشكّل قبل ساعة من توقيت العرض المفترض. الازدحام لم ينته إلى أن امتلأت المقاعد كلها، في ظل لحظات من الاستشراس اللبناني على مقاعد محجوزة في إطار كندي لا يسمح بالمواربة.
معظم الحاضرين حلموا، ذات يوم، بتملّك بيت بكندا، كما غنّت فيروز ذات لحظة عن حنين مفترض قاتل. والأبرز بين هؤلاء هي جالية سورية حديثة تلتمس بَلسَمة جراحها الطرية عبر استدعاء ثقافتها المشرقية. آخرون صادفتهم الفرص أو الخيارات للمجيء إلى هذه البلاد الباردة تحضيراً لمستقبل أولادهم أو هرباً من مصائب الشرق الأوسط أو مصاعب أفريقيا. آخرون حضروا بحشرية ثقافية لاستكشاف ما اقترفه ابن فيروز الرهيب في بدايات عقده الثاني.

حضور من مختلف الجاليات، والمكان امتلأ بالضحك والحزن أيضاً

بيد أنّ صقيع الخريف في هذا المساء التشريني، اندثر مع أوّل الحوارات حول المصروف والمدخول بين ثريا وزكريا. حوار يُمهّد لساعتين من الصراع الوجودي المادي اللبناني، من النقاشات حول الفروقات الطبقية في بلد يعتمد على السائح الملك، ولا يترك للطبقة الوسطى إلا مكاناً تحت مكيفات الخليج العربي، أو في باحات منازل في أميركا الشمالية، بعيدة عن لبنان وجبله وبحره ومسافات لا تعوضها الأرضيات الخشبية والمواقد، ولا التعليم شبه المجاني، ولا حتّى الهواء النظيف. صار الدفء سيّد الأجواء مع أوّل موّال لجوزيف صقر. «تغيّر هوانا»... تنهّد بعض الجمهور مع صوت يدمع بسماعه كثيرون، وتطرب له أي أذن.
انسابت المسرحية كنسيم عليل في عيون وآذان معظم الحاضرين. لم تنجح مقتضيات الترميم التقني الصعب الذي أجرته شركة Mmedia (حذف مشاهد أو دمج حوارات من تسجيلات مختلفة أو حتّى عدم تماه بين الصوت والصورة) في قتل السحر الذي يكتنزه هذا العمل. الضحك ملأ المكان والحزن أيضاً، ولم يكن التأفّف من «رداءة الصوت والصورة» سوى ردّة فعل من جاء لمشاهدة زياد لأنه «بيقرّط ضحك» أو من اعتقد أن زياد الرحباني - «ملك الساحة اللبنانية على بياض» - سيكون حاضراً شخصياً.
«لهذا العرض خصوصية تلمس الحنين الإنساني والوعي الثقافي» تقول المنسّقة في «مهرجان العالم العربي» (منظمة ثقافية لا تبغى الربح) إيميلي عواد، التي عمدت إلى ترتيب عرض النسخة المصوّرة من المسرحية في مونتريال. تقول في وقع فنّ زياد الرحباني وهذه المسرحية التي شاهدت عرضها في بيروت، على جمهور قديم وحديث: «لهذه المسرحية وجود خاص لفترة ثلاثة عقود. هناك من شاهد العرض الحي وهناك من طوّر صورتها في مخيلته، ويتشوق لرؤية كيف كان زكريا على المسرح؛ مع العلم أن هناك من ارتأى أن يحافظ على مخيلة غنية من المسرحية من دون أن يؤثّر فيها شيء، حتى عرضها». يُقال إن الرحباني نفسه لم يشاهد الشريط المرمّم، ربّما لرغبته في حماية حنين خاص، أو تجنب ألمٍ ما، وخصوصاً في ظلّ العلاقة المعقّدة التي تربطه بأعماله المسرحية. بدأ مشروع عرض المسرحية في مونتريال في شباط (فبراير) الماضي، وكانت الخطة الأساسية تقديم ثلاثة عروض، في «جامعة كونكورديا» في قلب المدينة الكندية، وفي «سينما غوزو» التي تقع في قلب منطقة الوجود اللبناني أي في مدينة سان لوران. «كان الطلب على الحفلات كاملاً واضطررنا لتقديم عرضين إضافيين لكي نلبي الطلب الإضافي من جمهور متنوع» تشرح إيميلي عواد. «وطبعاً، بمجرّد ذكر اسم زياد تهافت الجميع، ولكن، تماماً كما حدث في لبنان، هناك من اعتقد أن العرض هو إنتاج سينمائي، وخصوصاً لدى الشريحة التي لا يعنيها زياد فأبدت انزعاجاً من الصوت والصورة. ولكن سحر هذه المسرحية يلمس الجميع ومضمونها لا يزال قائماً حتّى يومنا هذا». هذا المضمون أمّن للأجانب الذين تواجدوا في صالة العرض درساً أولياً عن ثقافة شعبية لبنانية يُمكن أن تحوّل قصائد الأطفال والمحافظ الجلدية إلى منتجات تُباع بالآلاف في إطار اتفاق تجاري يُبرَم مع من يدفع أكثر، وعن بلاد يحكمها تحالف طبقات متمكّنة ومتحكمة لا تترك للعائلات الفقيرة سوى الهجرة خياراً، كأن تلك العائلات مسؤولة عن لعنة غياب الموارد الأولية. ضحك الأجانب على هفوات اللغة الأجنبية وتفاعلوا مع اللحظات الدراماتيكية. وربما كثير منهم سيتحمّس، كباقي هذا الجمهور، لمشاهدة «فيلم أميركي طويل» قريباً، على أمل ألا يعتقدوا أن العرض سيكون فيلماً سينمائياً.