دقيقتان من الزمن، هو وقت الشريط المجتزأ لطالبات جامعة الـ ALBA بعنوان «ما بضهر مع سوري»، يعدن فيه إنتاج وتقليد الخطاب العنصري اللبناني تجاه السوريين. الشريط الذي انتشر أول من أمس، أسهم غياب شرح سياقه في خلق موجة عارمة من الاحتجاج على مواقع التواصل الاجتماعي. فالفتيات ظهرن في الفيديو، وهن يتحدّثن الفرنسية، ويرفضن مواعدة شاب سوري لكونه لا يمتلك «الثقافة» و«القيم» نفسها التي يملكنها. أيضاً، ظهرت في نهاية الفيديو القصير عبارة فاقعة جداً، تتردد في الجلسات الخاصة: لدى سؤالها عن سبب عدم مواعدتها سورياً، أجابت إحدى الطالبات باشمئزاز وسخرية: «مين هيدا اللي بنضفّ». إدارة الجامعة لم تسلم بدورها من شظايا هذه الحملة العارمة على السوشال ميديا، إذ اتهمت بنشر العنصرية والكراهية.

تبين لاحقاً أنّ الفيديو مسرّب من موقع يوتيوب الخاص بـ «الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة»، إذ أصدر الأستاذ المسؤول عن هذا التمرين الجامعي سامي مجاعص، بياناً حول حيثيات الشريط وأهدافه. لكن الفيديو بدا كمنصة انقضّ من خلالها بعض الناشطين/ات على الفتيات، بل خرجت عنصرية مضادة تشهر لغة التعميم على اللبنانيين/ ات بأنهم جميعاً شعب عنصري، فيما تمنى بعضهم العودة إلى «أيام الوصاية السورية»، تشفياً من المحتوى الذي أخرجه هذا الشريط. وذهب آخرون إلى صناعة شريط مضاد يعيد التشديد على ضرورة احترام الإنسان بغضّ النظر عن جنسيته ودينه.
وسرعان ما انتشر بيان مجاعص الذي شرح فيه أنّ الفيديو مجرد «تمرين جامعي داخلي»، يرمي إلى تسليط الضوء على موضوع «تابو» تتداوله شرائح مجتمعية عدة، وفئات تتخذ من العنصرية مطية دائمة، خاصة في ظل وجود هذا الكمّ الهائل من اللاجئين على الأراضي اللبنانية. وأوضح مجاعص أنّ الفيديو كان «كاريكاتورياً» بامتياز، فالمستصرحات عمدن إلى إعادة سرد هذه «الكليشيهات»، التي تبعد أشواطاً عن طريقة تفكيرهن ومعتقداتهن.
من يراقب هذا الفيديو بالتحديد، يظهر في نهايته سؤال آخر عن «كيفية التمييز في الشارع بين شاب سوري ولبناني». بدا هذا السؤال مقدمة لشريط آخر، سيعرض الأسبوع المقبل كما كان مخططاً على حساب يوتيوب الجامعة، استكمالاً لهذا التمرين، الذي سرعان ما أمرت إدارة الجامعة بحذفه عن حسابها. الإدارة نفسها، أصدرت أيضاً بياناً توضيحياً نشرته على صفحتها الفايسبوكية، تؤكد فيه أنّ الفيديو جزء من «تمرين داخلي لمشروع أكاديمي لطلاب قسم الـ mutlimedia (تعدد الوسائط)»، لافتةً إلى إدانة الجامعة أي «محتوى عنصري، سياسياً كان أو اجتماعياً أو دينياً».
الحملات الافتراضية المتسارعة التي أحدثها هذا الفيديو، ولا سيمّا أنّها تزامنت مع حملات أخرى تدين العنصرية أيضاً سببتها قناة otv، من خلال برنامج «هدّي قلبك» (الأخبار 18/11/2016)، أوقعت العديد من وسائل الإعلام في فخها، من دون أن تجري أي بحث وتقصٍّ عن الفيديو وسياقه. شاهدنا على سبيل المثال «الجديد» في فقرة «ترند» تعيد سرد ما حواه الفيديو، وتتحدث عن هذه الحملات من دون أن تطرح أي سؤال نقدي أو تشكيكي.
شريط الـ ALBA القصير، الذي ضجّ في الساعات الأخيرة، وأعيد شرح سياقه الحقيقي، لكونه جزءاً من مواجهة الخطاب اللبناني العنصري، بأدواته ومصطلحاته، اختبر بلا شكّ ردود فعل رواد المواقع الاجتماعية كما كان الهدف من خلال هذا التسريب. لكنه أعاد السؤال عن المعمعة التي ولّدها، من دخول في حملات عنصرية متبادلة، من دون سماع الأصوات التي تؤكد أنه مجرد اختبار، فأضحينا في نهاية المطاف أسرى الاتهامات المتبادلة من دون أن يحرّض فينا الشريط وعياً لمناهضة العنصرية تجاه اللاجئين.