«ولمِّن إبنك بيطلب منك شي يا خيي أبو ملحم، شو بتعمل! أبتشيلش قلبك وبتحطه قدامه تيمشي عليه...»، كلمات قالها سليمان الباشا في أحد مشاهده في مسلسل «يسعد مساكم» (1976). كان الباشا أشهر من جسّد دور الأب في تاريخ الدراما اللبنانية إبان عصرها الذهبي، إذ لمع نجمه في أدوار الأب القاسي في المبدأ، والحنون في جوهره.


سليمان الباشا الممثل اللبناني القدير، غادرنا قبل أيام (1926 ــ 2017) ليرتفع مع رفاق زمنه الى سماء الأخيار. تمرّد ابن قرية دميت (الشوف ــ جبل لبنان)، على الكثير من تقاليد ومعتقدات زمنه التي كانت ترى في ممارسة الفن بكل أشكاله شيئاً من العار. هو الذي ترعرع في العاصمة اللبنانية، وتحديداً في مدارس راس بيروت. تعلّق فؤاده بالفن خصوصاً أبا الفنون، المسرح. وقتذاك لم تسعفه القدرات المادية البسيطة لوالده لإكمال دراسته واضطر للعمل في محل والده التجاري. مع ذلك، تابع دراسته في مدارس ليلية مجانية. في تلك الفترة، لم ينس عشقه للتمثيل، فالتحق بفرقة عبد الحفيظ محمصاني رغم معارضة والده. ولم يكن غريباً على سليمان أن يسير على خطى مريدي الفن ذاك الزمن. ولفترة طويلة، قدّم التضحيات أولها المادية في سبيل نهضة الفن اللبناني. وكانت إطلالته الأولى على الخشبة في مسرحية «فيرجيني» (عن رواية «بول وفيرجيني» للفرنسي برناردين دو سان بيار)، احتفالاً بمناسبة استقلال لبنان عام 1943. على مقلب آخر، اجتهد الباشا في العمل الاجتماعي، وكان ناشطاً نقابياً بامتياز. تم انتخابه نقيباً لعمال الكوي والتنظيف في 1945، وتابع نشاطه في الشأن الاجتماعي من خلال «الحزب التقدمي الاشتراكي» الذي انضم الى صفوفه في 1951. ومن على ذلك المنبر، تولّى مركز المسؤولية على النقابات. ومن الموقع نفسه، ناصر الباشا الكثير من القضايا الاجتماعية. وكان من المؤسسين الأوائل لنقابة الفنانين، وصندوق التعاضد للفنانين المنتسبين. وبقي حتى أيامه الأخيرة ــ ورغم اعتكافه عن التمثيل ــ يداوم كل يوم ثلاثاء في دارة نقابة الفنانين لمتابعة شؤون رفاقه من الناحية الإنسانية. اتصال مفاجئ من الممثلة نزهة يونس زميلته في فرقة محمصاني، غيّر مسار حياته إلى الأبد وأنعش قدراته الفنية. حينها، طلبت منه بعد ثلاث سنوات من تأسيس «تلفزيون لبنان»، تأدية دور الأب في مسلسل «تحت السنديانة» (1963) إلى جانب الراحل إيلي صنيفر، والمغنية اللبنانية هيام يونس، والممثل القدير إحسان صادق الذي سرعان ما قبض على سليمان الباشا ليضمه إلى فريق برنامجه «صندوق الفرجة». ومن أبرز أدواره للشاشة الفضية، مشاركته في مسلسل «حكمت المحكمة» (1963-1968) إلى جانب وحيد جلال في نص للإعلامي فاضل سعيد عقل، وإخراج إلياس متى. وإلى جانب الراحل الكبير وديع الصافي، قدّم مسلسل «كانت أيام» (1964) مع ماجد افيوني ونبيه أبو الحسن، والممثلة والمغنية جورجيت صايغ والممثل سمير شمص، في نص لأنطوان غندور وإخراج باسم نصر.
أما حضوره الذي ما زال محفوراً في ذاكرة لبنان الفنية، فهو مشاركته في مسلسل «يسعد مساكم» (1967 ــ إخراج الياس أبو رزق) للقدير الراحل أديب حداد (ابو ملحم) مع زوجته الممثلة الراحلة سلوى حداد. رغم ذلك بقي أبو الفنون عالقاً في وجدانه، فتبنى حلم جلال خوري وسانده في تجربة تأسيس المسرح الجوال، ليقدما «جحا في القرى الأمامية» (1972)، و«القبضاي» (1973)، و«الرفيق سجعان» (1974). كذلك قدّم للمسرح نصوصاً كتبها وعمل على إخراجها بنفسه ليجول بها على المناطق اللبنانية كافة، منها «الموظف الكبير»، «مصيبتي أنا»، و«استشهد غصب عنو». في مسرحية «أبو علي الأسمراني» (1974)، كانت له وقفة لافتة إلى جانب عمالقة المسرح اللبناني كالممثلة والمخرجة نضال الأشقر، وأنطوان كرباج، والراحلة ليلى كرم. مع دخول لبنان إلى قائمة صناع الفن السابع، أطل الباشا من خلال شاشة السينما، في فيلم «القناص» (1980 ـــ كتابة وإخراج العراقي فيصل الياسري) إلى جانب المخرج والممثل روجيه عساف، وآمال عفيش، الذي صوّر في لبنان ليقدم نموذجاً عن الحرب الأهلية اللبنانية من زاوية ظاهرة القناص، القاتل بلا رحمة، طبعاً ضمن حبكة شملت جملة متناقضة من الصراعات الدموية بين أطراف النزاع. أما إطلالته الثانية من خلال الشاشة الكبيرة، فكانت في فيلم «شبح الماضي» (1985 ــ إخراج جورج فياض) بطولة إلسي فرنيني وجورج شلهوب، عن سيناريو وحوار لنينا الرحباني. قبل اعتزاله التمثيل، كان المرور الأخير لسليمان باشا على الشاشة الصغيرة في عام 2007. جسّد لمرة أخيرة دور الأب في مسلسل «شيء من القوة» (نص طوني شمعون ــ إخراج إيلي معلوف) بطولة بديع ابو شقرا، وبريجيت ياغي ومجدي مشموشي. وأمس، شيّع الممثل الراحل في بلدته دميت (جبل لبنان)، وقد نعاه إلى جانب أهله وشعب لبنان، كل من النائب وليد جنبلاط و«الحزب التقدمي الاشتراكي»، و«جبهة التحرر العمالي»، و«نقابة ممثلي المسرح والسينما والإذاعة والتلفزيون».