حين صرّح الاعلامي ملحم رياشي، بُعيد استلامه حقيبة الاعلام في الحكومة اللبنانيّة الجديدة، أنّه سيعمل على «إلغاء وزارة الاعلام»، ابتسمنا وقلنا: «مش للدرجة دي!». الفكرة التي أراد الوزير الشاب ايصالها، تستحق كل الثناء، وقوامها الانحياز إلى حريّة التعبير، وحريّة الاعلام، والتحفّظ عن أي وصاية بيروقراطيّة وأيديولوجيّة للدولة على هذا القطاع.


علماً أننا لو درسنا عن قرب المخاطر التي تتربّص بالاعلام اللبناني، لوجدنا أن «رقابة الدولة» تأتي لحسن الحظ في آخر القائمة. إنّ مرضنا من مرض النظام السياسي اللبناني. وأزمتنا الكبرى أخلاقيّة ومهنيّة وماليّة ووجوديّة، إذ نفتقر أكثر من أيّ وقت مضى إلى الشفافيّة والمعايير الراقية، وإلى تعلّم قواعد اللعبة الديمقراطيّة واحترامها. وتنقصنا شرعة مشتركة تحدد أخلاقيّات العمل الاعلامي، وتنبذ لغة العنف والتحريض والتضليل في وطن الطوائف والجماعات المتناحرة والحروب الأهليّة الدائمة…
لذلك ابتسمنا في سرّنا لاقتراح إلغاء وزارة الاعلام، واعتبرناه مجازاً أدبيّاً… وحتى لو حوّلها رياشي «وزارة للحوار» حسبما ما ناقشه مع «لجنة الاعلام والاتصالات» النيابيّة، فإن الأهداف المنشودة تبقى نفسها: الحفاظ على وزارة الاعلام ليس كجهاز وصاية أيديولوجيّة، بل كمؤسسة عامة. مؤسسة تلعب دورها على أسس قانونيّة واداريّة بهدف حماية المهنة، والعاملين فيها، وضمان حقوقهم وحريّتهم. ما ينقصنا هو اعادة تنظيم القطاعات ودعمها وحماية استقلاليتها، وتأسيس نقابات جديدة غير منخورة بالغرغرينا، تكون المرجعيّة المهنيّة والاخلاقيّة والحقوقيّة. وربما تطلّب الأمر خلق هيئات مستقلّة فاعلة (لا صوريّة) تحدد المعايير والقواعد وتمارس رقابة مهنيّة وتقنيّة (لا سياسيّة أو إجتماعيّة). وطبعاً كل ذلك يبدأ من تطوير القوانين لتواكب متطلبات العصر، وتؤمن الاستمراريّة، وتحمي الحريّة والحقّ العام. المطلوب قانون اعلام جديد قائم على فلسفة المسؤوليّة والحريّة، علماً أنّ مسودة القانون الحالي الذي طلع من «لجنة الاعلام والاتصالات» عليه علامات استفهام لجهة «تقييد حريّة الاعلام»، كما حذّرت جهات مهنيّة وجمعيّات عدّة منها «مهارات» على سبيل المثال.
نعرف أنّ الوزير رياشي ليس بعيداً عن منطق حماية المهنة على قاعدة الحريّة والاستقلاليّة والمسؤوليّة. فأوّل مبادرة له كانت جمع القطاعات المختلفة من الصحافة الورقيّة والاعلام المرئي والمسموع، وصولاً إلى الاعلام الإلكتروني، لمناقشة آفاق انقاذ الاعلام وتدعيم أساساته. وبعد جلسات عمل تمهيديّة حضرها ممثلو الاعلام مع المدير العام للوزارة الدكتور حسّان فلحة، تبلورت خطّة جديّة لتأمين حماية القطاعات المشار إليها من قبل الدولة، من دون وصاية، وشرط أن تكون الحماية للعاملين في القطاع وليس فقط لأصحاب المؤسسات.
لذلك لم نفهم المعركة التي قرّر وزير الاعلام الليبرالي، فجأة خوضها ضدّ برنامج ترفيهي محدد دون سواه على محطّة لبنانيّة محددة، بداعي الدفاع عن «الآداب العامة». هل نطوّبها وزارة «الآداب العامة»؟ لا نقول إن الآداب العامة ليست بحاجة الى صون، كما في أي بلد ديمقراطي. لكن كيف نحدد الآداب العامة؟ وبأي آليات ديمقراطيّة نحميها؟ وانطلاقاً من أيّة معايير؟ هذه «القادوميّة» من دون أخذ الاحتياطات المطلوبة، إنما تعيدنا فجأة إلى نبرة فوقيّة مألوفة لا تشبه رياشي. وتذكرنا بالوضعيّة الأبويّة لأصحاب السلطة الاقطاعيّة، فهم يشعرون دائماً أنّهم مولجون بحماية الرعايا القاصرة، من المعاصي الفكرية والاجتماعيّة، وأنّهم المرجع الذي يحدد ما يصلح للعباد أو لا يصلح، من كتب وأفلام ولوحات ومسرحيّات و… برامج تلفزيونيّة.
لسنا طبعاً في وارد توجيه التهم الواردة أعلاه إلى الوزير المتحمّس الذي فتح مكتبه للمواطنين، بعد ظهر كامل بلا مواعيد مسبقة. ولا في وارد الدفاع عن برنامج معيّن، أو محطّة محددة. لكن لعلّها ليست مهمّة وزير اعلام أن يوحي للرأي العام بأنّه يقوم بدور «المطاوع» (وهو ليس كذلك). علينا أن نعترف أن المحطات اللبنانيّة البارزة التي تخوض حروباً طاحنة لانتزاع نسب المشاهدة، انزلقت في السنوات الأخيرة إلى دركات مقلقة من الاسفاف والسهولة والفضائحيّة وقلّة الذوق. إنّها نكبة جماعيّة، والمشهد التلفزيوني بهذا المعنى بحاجة لاستعادة هدوئه وتوازنه. وهي عمليّة جماعيّة تتفق عليها ادارة المؤسسات، ونقاباتها المستحدثة، تحت اشراف مجلس أعلى (جديد) للاعلام المرئي والمسموع، يمتلك القرار والصلاحيات، ويميل نحو الحريّة لا المنع، والانفتاح لا التقوقع، ويتكوّن على أساس مرجعيّات وعقلاء وكفاءات اعلاميّة وتربويّة واكاديميّة تمثّل كل الحساسيات والتيارات الوطنيّة، بعيداً عن التبعيّة المباشرة لأقطاب النظام الطائفي. نعم علينا اعادة بناء دولة مؤسسات لضمان حياة تلفزيونيّة صحيّة وسليمة.
أما «الآداب العامة»، فمفهوم نسبي ومطاط، في حاجة الى تحديد الاطر والسقف والحدود والقواعد (مثلاً البرامج التي تتوجّه للراشدين تبث مع تحذير للأهل، وفي ساعة متأخّرة من الليل). وفي الدول المتطوّرة، هناك هيئات علميّة ومهنيّة متخصصة تحدد تلك المعايير، تحت أعلى سقف انفتاح يسمح به المجتمع في لحظة محددة من تاريخه. أما أن نختار برنامجاً واحداً ونحوّله كبشَ فداء، ونوحي بخطر داهم على الاخلاق، فتلك مخاطرة في خفض سقف الحريّات الاجتماعيّة، وفي التمهيد لرقابات استنسابيّة، أخرى، تحت غطاء حماية المصلحة العامة. البرنامج «الاباحي» المفترض الذي أزعج الوزير رياشي، والنائب حسن فضل الله رئيس «لجنة الاعلام والاتصالات» له جمهوره: هل نعرف هذا الجمهور حقّاً؟ كل تلفزيونات العالم فيها برامج ترفيهية سطحيّة، و«جريئة» بالمعنى المفتعل أحياناً، أي فضائحيّة وتلعب على المكبوتات. والنسخ المحليّة اللبنانيّة لبرامج عالميّة ضمن هذه الفئة، تتجاوز الأصل بكميّة «الاغراء» والمبالغات. فكل شيء عندنا سكر زيادة، واقتصادنا كلّه مهدد بمنطق الربح السهل والسريع. هل نواجه البرامج الاستهلاكيّة بالتهويل؟ إنّها أفضل عمليّة ترويج لها! هل نطالب بمنعها؟ المنع وهم في الزمن الرقمي. الحلّ إذاً؟ أن يكون الدعم الموعود من الدولة للتلفزيونات، مشروطاً بانتاج نسبة من البرامج الجادة: ثقافيّة واجتماعيّة وعلميّة وتربويّة وفنيّة وحتى ترفيهيّة وعائليّة وشبابيّة… من النوع الذي يحرّض على الخيال والتفكير والذوق والمعرفة والتحرر والتفاعل والحلم. فالريموت كونترول سلاح ديمقراطي فعّال في نهاية الأمر. وحين نقدّم للمشاهد الخيار بين الغث والثمين ـــــ خيارٌ لا يملكه اليوم إلا نادراً ــــــ فإننا بذلك نقاوم الاسفاف. وعندذاك لا يعود «بوكسر» طوني كيروز خطراً على الأمن القومي!