لم تستطع السنوات الثماني والعشرون أن تقلص وهج شهداء الغارة الإسرائيلية على مقر الحزب الشيوعي اللبناني في الرميلة (جنوب لبنان)، في 26 كانون الأوّل (ديسمبر) 1989. العدو لم يستهدف المقر رداً على عمليات جبهة المقاومة فحسب، بل استهدف بضربة واحدة عدداً من رموز المقاومة العسكرية والمجتمعية.


استشهد حكمت الأمين (الصورة) وكوادر في الحزب، أوّلهم مسؤول اليقظة والأمن في الجنوب قاسم بدران (أبو جمال). كفررمان (قضاء النبطية ــ جنوب لبنان) بلدة الأمين، ودير الزهراني (قضاء النبطية) بلدة «أبو جمال»، استحضراهما باحتفالين منفصلين. في حسينية دير الزهراني، تحلّق محبو بدران أخيراً حول الأمين العام للحزب حنا غريب في ندوة سياسية أقيمت تكريماً للشهيد عبد الله زواوي، الرسام والشاعر الذي سبق رفيقه «أبو جمال» بالشهادة في 1976 في المتين، على مرأى منه. عندما استشهد «أبو جمال»، كان نجله البكر «جمال» في السابعة عشرة من عمره يقاتل في صفوف جبهة المقاومة. بعد عامين، قرّر أن يقاتل بسلاح آخر. حذا حذو رفيق والده، حكمت الأمين، ودرس الطب إلى أن تفرغ للعمل في مستشفى «النجدة الشعبية» التي تحمل اسم الأمين في النبطية (الأخير سمّى ابنه البكر «جمال» على اسم جمال بدران ليصبح كرفيقه «أبو جمال»). في العمل البلدي والنضال المجتمعي والنقابي والحزبي والسياسي، يستكمل بدران مسيرة «رموز الفقراء في الجنوب. الطبيب حكمت الذي كان يعالج مجاناً في غرفة صغيرة في بيت ذويه، وبدران الموظف في المحكمة الشرعية والذي ساهم في رفع المستوى التعليمي لأبناء المنطقة»، يقول بدران. كما في كل عام، يحيي «نادي التحرر» في كفررمان ذكرى الأمين. بحضور صديقه الفنان مرسيل خليفة، يتحلق بعض الرفاق اليوم لاستذكار مآثره. على بعد كيلومترات قليلة، تنهض مستشفى «النجدة الشعبية» لترفع اسم مؤسسها عالياً، وتتناقله ألسن المرضى والزوار. الأقسام الحديثة التي افتتحت أخيراً، ومنها قسم الأطفال الذي يسهم في الإشراف عليه جمال بدران. «سلام على القسم الذي نفتتحه اليوم. سلام على الأطفال الذين سينتصرون على محنتهم هنا»، يقول خليفة في احتفال افتتاح القسم.
طبيب الفقراء يكمل انتصاراته على جبهة أخرى. «نور»، ابنة شقيقه، سارت في رحلة البحث عن سيرته وتوثيقها في كتاب. تتقفى أثره بين كمّ ممن عرفوه من رفاق له في الحزب الشيوعي؛ مرضى ومواطنين. طبيب الصحة العامة والقلب والشرايين، وعضو اللجنة المركزية في «الشيوعي»، ومؤسّس «النجدة الشعبية» ومستوصفاتها في القرى، ومستشفاها في النبطية بمشروع الليرة (كل بيت تبرّع بليرة). بقيت منه نتف من الوصفات الطبية، والصور، وقصاصات الجرائد، وتمثال لقامته في ساحة مستشفى «النجدة» الذي حمل اسمه على اللافتة، وليس في السجلات الرسمية. بقيت ذكريات الناس. كيف حوّل منزله، أو منزل والديه المتواضع في كفررمان، إلى عيادة مفتوحة دوماً. وكيف طلب من والدة «نور»، «رجاء»، فتح صيدلية في منزلها القريب ليتمكن المرضى من إيجاد الدواء في أي وقت ومن دون مقابل، لأنه اتفق معها على أن تسجل الثمن على حسابه. وكيف حوّل التكميلية في النبطية إلى مستشفى ميداني واستدعى أطباء وطبيبات من مختلف الاختصاصات، وفروا مشقة الانتقال إلى صيدا وبيروت. وكيف نجا من محاولات اغتيال عدة، وأُبعد من قبل ذوي القربى من بلدته، كان آخرها صبيحة 26 كانون الأوّل 1989، عندما حاولت سيدة قتله في عيادته في الرميلة بمسدس كاتم للصوت. لكن العدو الإسرائيلي قتله في غارة على مقرّ اللجنة المركزية للحزب في الرميلة بعد الظهر. كان مروره سريعاً ليلقي التحية على الرفاق ثم يتوجه إلى صيدا ليرسل قسائم الإعاشة لأهالي بلدته. مساء اليوم، تنظم «النجدة الشعبية اللبنانية» و«نادي التحرر» في كفررمان احتفالاً تكريمياً لحكمت الأمين في القاعة التي تحمل اسمه في مقر النادي في البلدة.