باريس | في فضاء «قصر طوكيو» في باريس، قدّم الفنان زاد ملتقى عرضاً أولياً لعمله التجهيزي الجديد «شمّاش» الذي سيمثل لبنان في «بينالي البندقية» المقبل (13 أيار إلى 26 تشرين الثاني 2017). كالعادة، يزاوج الفنان اللبناني المقيم في باريس بين البحث التشكيلي والتجريب الموسيقي. على الصعيد البصري، يستعيد في عمله أمجاد الحضارة السومرية، مستعيراً من قانون حمورابي (2000 سنة قبل الميلاد) رمزية «شمّاش»، «إله العدل الذي يسهر على ألّا يضطهد القوي الضعيف، وألّا تضيع حقوق اليتامى والأرامل».


أما على الصعيد الموسيقي، فإنه ينطلق من أغنية جنائزية باللغة الأكادية، عمرها 4 آلاف سنة، ترثي دمار مدينة «أور»، عاصمة الدولة السومرية، ومسقط رأس النبي إبراهيم.
لكن زاد ملتقى ليس من هواة البكاء على الأطلال. هو لا يتخذ من هذه المواد الخام السومرية سوى منطلق يسائل من خلاله الراهن الدامي في بلاد الرافدين والشرق الأوسط عموماً. يتكشف ذلك تدريجاً، من خلال التركيب الموسيقي، المرافق للإنجاز التشكيلي الذي يحمل عنوان «شمّاش إيتيكا» (الشمس المظلمة). نكتشف أن التأوهات الحزينة التي تتخلل النشيد الجنائزي، الذي يبكي دمار «أور»، ليست أصواتاً بشرية، كما يتبادر إلى الأذهان للوهلة الأولى، بل أصوات معدّلة إلكترونياً صادرة عن محرك طائرة حربية مقنبلة!
كان سبق لزاد ملتقى أن أنجز تجريباً موسيقياً مماثلاً في مسرحيته الغنائية «أم» (2016)، إذ قدّم نصوصاً من الـ «باردو طوسغرول» (كتاب الموتى) البوذي التيبتي، مرفقة بموسيقى تجريبية معدّلة إلكترونياً انطلاقاً من أصوات محرك سيارة فيراري! وكانت المفارقة فاقعة (ومبهرة) بين تأملات «كتاب الموتى»، التي ترصد في المعتقدات البوذية حالة الوعي السباتي الفاصلة بين لحظتي الموت والانبعاث، وبين انطلاقة الحياة الضاجة التي يجسدها محرك الفيراري.
لكن رمزية محرك الطائرة الحربية في «شمّاش» لا تنصبّ فقط في خانة التجريب الفني والمراوغة الصوتية والبصرية. هي تتعدى ذلك إلى لعبة مرايا تتقابل وتتصارع على حلبتها ثنائيات فكرية صارخة. أمجاد الحضارة السومرية، التي قدمت للإنسانية أول شريعة قانونية كرست مفاهيم العدل والمساواة، قبل 4 آلاف سنة، تواجه الراهن الدامي في مهد الحضارات الشرقية، حيث تزرع الطائرات الحربية الغربية الدمار والموت يومياً، بحجة نشر الحضارة والتمدّن!
تتجسد لعبة المرايا هذه أيضاً على الصعيد البصري، من خلال مونتاج تشكيلي يراوغ الذهن والبصر. وإذا بِنَا نكتشف أنّ ما كنّا نعتقد أنه تجسيد لرمزية الإله «شمّاش» على نصب حمورابي الشهير، إنما هو عين محرك طائرة حربية حديثة يتخذ منه زاد ملتقى رمزية لإله مضاد، إله جبروت القوة الغربية المعاصرة. بالطبع، هذا «الشماش المظلم» العصري، على النقيض تماماً من إله العدل السومري، يمجد قانون الغاب، حيث الغلبة والبقاء للأقوى.
المقاربة التجريبية، إذن، طموحة وواعدة، سواء على صعيد الإنجاز الفني أو الخطاب الفكري. يبقى أن نعرف كيف سيجسدها زاد ملتقى في «بافيون لبنان» خلال البينالي. سيقام الجناح اللبناني في قلب القلعة العسكرية الأثرية في ميناء المدينة، ضمن فضاء يمتد على مساحة 600 متر مربع.
وفقاً للمجسّد، الذي كُشف عنه في خلال العرض الأولي في باريس، يعتزم زاد ملتقى أن ينصب (ويشغّل) في قلب هذا الفضاء محرك طائرة حربية، محاطاً بكورس غنائي يضم 32 منشداً. وسيُنصَب في الخلفية جدار ذهبي (إحالة واضحة على رمزية «العجل الذهبي» التوراتية)، ستنعكس عليه الأشكال والأخيلة والأصوات، في لعبة بصرية تتصارع ضمنها الأضواء والظلال، لتجسّد الحرب الضروس التي تدور رحاها على امتداد الشرق الجريح بين «شمّاش» التاريخي المشرق والعادل وبين نقيضه المعاصر المظلم والظالم...