ميشال ألفتريادس*

لا أدري إن كنت قد تعبت او أنني طمست جزءاً من ذاكرتي عن قصد، فما ننساه ربّما يخفّف علينا ألمنا. لكنّه «الشيطان» الذي لا يتعب، لا يكلّ ولا يملّ، فلا يكاد يرحل من أمامي مهزوماً، حتى يعود بألاعيب جديدة محاولاً دبّ الخوف والقلق والظلام في قلبي، علّني أخفض صوتي وأكسر ظهري أمامه، لكنني تعلمت باكراً أن طرد الخوف من قلبي هو الطريق إلى النور، حيث يموت الشيطان مكبّلاً بشروره وقرّرت اليوم أن أفتح حسابنا القديم.
كنت طفلاً حين رأيت الشيطان للمرّة الأولى وكان يرتكب الكبائر بحقّ قومي، ويُذلّ أهلي ويا للمفارقة باسم دينهم. رأيت الشيطان يصادر «ربطات» الخبز من النساء المتعبات على الحواجز. رأيت حوافره تدوس أرض الطهارة لتعيث فيهاً خراباً وفرقة، فتجلب التهجير والقتل في الشمال والجنوب، في شرقي صيدا والشوف، فتحيل قرى أجدادنا القديسين بيوتاً مهجورة وكنائس مدمّرة وذكريات مهشّمة، وطوابير من المطرودين من جنة عدن.
رأيت «الشيطان» يغتال المطارنة والقساوسة، باسم أمن المجتمع المسيحي، ويقول إن الموت قربان للرّب حتى ترتاح الرعيّة. رأيت الشيطان تحت جنح الظلام يتسلّل إلى البيوت، ويوثّق المؤمنين إلى أعمدة الموت، فيقتل أحفاد رؤساء الجمهوريات، ليرسم جمهورية من الشّر.
كنت مراهقاً حين رأيت «الشيطان» من خلف قطعة القماش السوداء التي ظلّلت عيني، وأنا أُجَرّ إلى أقبية التحقيق والتعذيب في يسوع الملك، كرمى لجبروت سلطان الظلمة، وعقاباً لي على حبّي للنور ودروب الحرية المشمسة.
رأيت الشيطان ثالثةً ورابعةً ورأيته ألف مرّة… رأيته وأنا في بِزَّتي العسكرية المرقطة، رأيته يذرف السموم في قهوة الأبطال ويُعدم ضباطنا وزملائي الجنود برصاص قايين، وسمعت قهقهات عبيده في صمت الجلجلة.
رأيت المجرب، المضلّ، الكذاب، السارق، الذابح، المهلك القتّال… رأيت إبليس. رأيت بعلزبول وعلى أكثر من اسم وعلى أكثر من هيئة، وأراه الآن متخفياً تحت فروة بيضاء، فروة الحمل الوديع وبات يقطف الأزهار العجائبية ويقيم المؤتمرات ويعقد الاجتماعات ويوجّه التحيات ويعتلي المنابر باسم الحقّ والقيم والأخلاق، ويطمح إلى تقرير مصير من يتّمهم ومن رمّلهنّ وكل المؤمنين. فهو الوقح، الطمّاع، المِبْطان، الفاجر، الجشع، الخبيث...
رأيت الشيطان يقتادني الى قصور العدل لأنني ذكّرت شعبي بمن هو وبما فعل بنا.
رأيت الشيطان متسلّلاً إلى أروقة الأديرة ودوائر الدولة مجنداً له عبيداً فيها، يربّت أكتافهم بيد، ويستعبدهم بثلاثين من الفضة بيده الأخرى، طالباً منهم أن يقيموا محاكم التفتيش كما في جاهلية القرون الوسطى، لينالوا من كبار أعدائه الأبرار باسم الحق والقانون ومطاردة «الشيطان»!
وقبل أيام، رأيت خادماً للشيطان تقدح النجوم من عينيه جاثماً وراء مكتبه، ينزع عنه صفاته ويلبسها لي… فقرّرت اليوم أن أفتح حسابنا القديم.
قال يوحنا المعمدان في الآية 18 من الاصحاح 13 في سفر الرؤيا:
«هنا الحكمة، من له فهم فليحسب عدد الوحش فإنه عدد إنسان وعدده ست مئة وستة وستون». وقد دلّل يوحنا بـ«666» على «نيرون القيصر» أو «وحش البرية» في حساب الكتابة العبرية، لكنّ وحش البرية هذا، لا ينفكّ يغيّر أرقامه وطبائعه وأشكاله... وعلى حساب يوحنا ذاته، «146» رقمٌ لـ«الشيطان» أيضاً!... أرى الشيطان ولا أخافه وأرى الشيطان يرتجف عندما يراني!