منذ كانون الثاني (يناير) 2015، غاب اسم محمد البعلبكي (1921-2017) عن التداول، وعن «نقابة الصحافة» التي تولى قيادتها لمدة 33 عاماً، بعد انتخابه لتسع دورات متتالية، و«بالإجماع» بسبب اعتلال صحته.


وأمس، انطفأ البعلبكي، خاتماً مسيرة طويلة في عالم الصحافة، منذ تخرّجه في «الجامعة الأميركية» في بيروت في قسم الأدب العربي، وانخراطه في مجلة «العروة»، و«الديار» (1941)، لمدة 6 سنوات، و«الصياد»، قبل أن يمتلك صحيفته الخاصة «صدى لبنان».
بذكر محمد البعلبكي، بعد وفاته، لا يمكن إلا أن نمرّ على تاريخ طبعه هذا الرجل في «نقابة الصحافة». 33 عاماً في تولي إحدى أهم المؤسسات النقابية (ولو شكلياً)، لا يمكنه أن يمرّ مرور الكرام، بعد تعاقب 12 نقيباً (ما خلا عوني الكعكي)، من جبران تويني الجدّ، الى اسكندر الرياشي، وبشارة الخوري (الأخطل الصغير)، فجورج حرفوش، خليل سركيس، خليل كسّاب، رامز سركيس، روبير أبيلا، زهير عسيران، وديع عقل وميشال أبو شهلا.
منذ الأربعينيات، التصقت «نقابة الصحافة» بمصطلحات «النضال»، والدفاع عن حقوق أهل المهنة، وإخراجها من «منتحلي الصفة». والأهم «الحفاظ على الصحافة اللبنانية»، وتنوّعها. لعلّ أشهر عبارة قالها البعلبكي: «عندما تتحول الصحافة الى فكرة جديدة واحدة، موجّهة، فمعنى ذلك نهاية لبنان». في هذه العبارة، يُقرأ الحرص على أهمية تعدّد الآراء والتنوع المهني في لبنان، لكن صورة النقابة بالأمس، واليوم، لا تزال على حالها، في نأيها عن هذا الجسم، لا بل في محافظتها على كتلة واحدة، تشبّك مع السلطة الحاكمة، وتتلاعب على القوانين الداخلية، وتتناسى بل تهمل هدفها الأساسي في حماية أهل المهنة ورعايتهم، وليس آخرها، انتخاب عوني الكعكي نقيباً للصحافة في انتخابات مزوّرة، أتت بـ 18 عضواً، أجريت في كانون الثاني (يناير) قبل عامين.
اقترن محمد البعلبكي بالمحاصصة الطائفية والسياسية ضمن النظام اللبناني، وأيضاً، بتشبثه بامتيازات النقابة، وخوفه من أي تغيير قد يحصل. نذكر اعتراض نقابة الصحافة عام 2013، على مواد قانون الإعلام الجديد، الذي ينتظر اليوم المصادقة عليه في «المجلس النيابي». وقتها، اعتبرت النقابة أن هذا القانون «ينسف تنظيم مهنة الصحافة»، وخشيت على إلغاء دورها ودور «نقابة المحررين»، وحرّكت في تلك الفترة الرئاسات الثلاث للضغط على عدم إمرار هذا القانون العصري لتنظيم المهنة في لبنان. وكان التركيز على المواد التي تتيح إصدار مطبوعات سياسية وغير سياسية بحرية تامة، من دون أن تكون متعلقة بالامتيازات الموجودة في النقابة. هذا الصراع، الذي حصل قبل عامين يختصر الى اليوم ما يعانيه القطاع الإعلامي، بين مجموعة غيورين على المهنة، ومجتهدين يريدون لها العبور الى برّ العصرنة، وإخراجها من صناديق خشبية، تحمل اسمها، ولواء الدفاع عنها وعن العاملين فيها، وبين من يتشبثون بالكرسي، والسلطة كما حصل في الماضي البعيد، و«العهد» الحالي. أمس، نعى وزير الإعلام ملحم رياشي، محمد البعلبكي، معتبراً إياه من «الوجوه الإعلامية»، التي عاصرت «حقبة من تاريخ لبنان الحديث»، واصفاً إياه بـ«ذاكرة لبنان الصحافية». بعدها، توالى الرؤساء السابقون والحاليون على نعي نقيب الصحافة السابق.

* يُصلّى على جثمانه ظهر غد الجمعة في جامع البسطة التحتا، ويُوارى في الثرى بعد الصلاة في مدافن الباشورة. يتقبّل نقيب الصحافة عوني الكعكي وأعضاء مجلس النقابة التعازي بعد الدفن ويومي 25 و26 آذار في دار «نقابة الصحافة» (جادة صائب سلام) ــ من الساعة الثالثة بعد الظهر حتى السابعة مساءً.