وسط حضور لافت فاق التوقعات، احتضنت كلية العمارة والتصميم في «الجامعة الأميركية في بيروت»، الثلاثاء الماضي، نقاشاً بعنوان «الفن والمقاومة»، نظّمه «نادي السنديانة الحمراء» في إطار «مجموعة مقاومة الفصل العنصري الإسرائيلي والاستعمار ــ لبنان».


على مدى ساعتين ونيّف، تحدّث كل من: الفنان الملتزم خالد الهبر (الصورة)، والرسّام والأكاديمي رائد شرف، والزميل بيار أبي صعب، عن رؤيته للفن والمقاومة كإنتاج فردي ومجتمعي سياسي بامتياز، طارحين أسئلة عن «حيادية» الفن والفنانين، وعن معنى الفن «المقاوِم/ الملتزم»، وعن دور الفن في المجتمع.
أكد أبي صعب أن «لا وجود لفن غير ملتزم». قارن بين السبعينيات حين كان الالتزام أهم مكوّن للمثقف والفنان، وبين اليوم حيث صارت المجاهرة بالالتزام أو اتخاذ المواقف «عيباً»، فكيف إذا أعلن المرء أنّه «مؤيد للمقاومة»؟ في هذا السياق، فصّل المتغيّرات السياسية التي طرأت منذ السبعينيات أيّام صعود الحركات اليسارية حتى اليوم، وتأثيرها على المبدعين والمثقفين. انتقل بعدها إلى الحديث عن لبنان، مسلّطاً الضوء على التسعينيات أي مرحلة الحريرية السياسية، وصولاً إلى مرحلتَي اغتيال الرئيس رفيق الحريري (2005) وحرب تموز (2006) وما بعدهما. وحين صار لا بد من اتخاذ موقف مما يجري «وقف كثيرون ضد المقاومة ضمن آلية خطاب إعلامي جديد، وآلية تمويل مقلقة قائمة على استلاب الوعي». وختم بيار أبي صعب كلامه بالتشديد على أن «الفن المقاوم هو فن الراهن... فالفن الذي لا يشهد للحق هو مشبوه، حتى لو كان جميلاً»، داعياً الشباب إلى الانخراط في العمل السياسي لخلق خطاب بديل من التوجّه الطاغي والمشبوه لجزء كبير من المنظمات غير الحكومية.
أما رائد شرف، فتحدّث عن الفن والمقاومة كعنصرين منفصلين بينهما «احتكاكات في نقاط معيّنة»، مُسهباً في الحديث عن فكرة «الفن للفن» التي برزت في فرنسا القرن الـ 19، وتعزّزت مع مرحلة البوهيمية. ثم طبّق أستاذ التصميم الغرافيكي في «الجامعة اللبنانية» منطق البوهيميا على لبنان، إذ وُجدت بشكل ملحوظ في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات (وكانت يسارية كما يقول كثيرون) بفضل «سياسات الدولة الشهابية وتطوّر التعليم الرسمي وتأسيس الجامعة اللبنانية»، قبل أن «تطوّر حالياً نزعة للتكبّر على الطبقات الأدنى منها والتزلّف للطبقات الأعلى».
من جهته، اكتفى خالد الهبر بسرد تجربته التي تعدّ نموذجاً حيّاً للفنان الملتزم. ترعرع المغني والملحّن اللبناني في منزل يساري، منحه وعياً سياسياً مبكراً، وقدرة على تحليل الأمور ضمن أجواء فنية وموسيقية. ظروف عدّة ساهمت في تحوّل صاحب أغنية «مندفع حقّو منشتريه» إلى فنان ملتزم، بدءاً من مقتل فيكتور جارا على يد الفاشية التشيلية، مروراً بقضاء الشيخ إمام أوقاتاً طويلة في السجن، وصولاً إلى الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة في الجنوب، ونكسة عام 1967، والتظاهرات العمالية المطلبية في بيروت والمناطق، وليس انتهاءً بحرب تشرين 1973... كل هذا وأكثر «ولّد كمية غضب كبيرة في داخلي قرّرت تفجيرها من خلال الأغاني». وأقرّ خالد الهبر أيضاً بأنّ «الالتزام مكلف جداً»، مضيفاً: «أنا مع المقاومة المسلّحة. رغم ملاحظاتي اليوم على حزب الله، لا يمكنني إلا أن أكون في صفّه في مواجهته لإسرائيل ولأولئك المتوحّشين».
ولعلّ أبرز محطات اللقاء تمثّلت بالنقاش الغني والطويل الذي دار بين المتحدّثين الثلاثة والحاضرين. عدد كبير من المداخلات تضمّن انتقادات اجتماعية وسياسية لحزب الله، قلّما تُقال على الملأ وبصراحة، بوجود مقرّبين من بيئة الحزب وأجوائه، وعلى رأسهم المدير العام لـ«الجمعية اللبنانية للفنون» (رسالات)، محمد كوثراني. أحد الشبان رأى أنّ علينا طرح السؤال «ما الذي تقدّمه المقاومة للثقافة وليس العكس»، لتتطرّق شابة إلى قرار إلغاء مادة «الرسم العاري» في أحد فروع كلية الفنون في «الجامعة اللبنانية» التي يسيطر الحزب على مجلسها الطلابي، بينما عبّرت أخرى عن مخاوف تراودها «كامرأة، وكمثلية، أعيش في محيط الحزب وبيئته».
هنا، شدّد كوثراني على أهمية استمرار الحوار والنقاش من أجل إيجاد القواسم المشتركة بين الجميع، بعيداً عن «الأوهام التي نعيشها تجاه بعضنا البعض». وتابع قائلاً: «على الجميع مقاومة الحرب الثقافية التي تشن على دول المنطقة اليوم... لا بد من تشكيل جبهة جامعة والاتفاق على طريقة إدارتها، قبل أن ننتقل إلى مناقشة الملاحظات والاختلافات وتذليل العقبات...».