لنبدأ من النهاية. هذه السنة في بعلبك ستتنوّع المواعيد لترضي كل الأذواق. ويحافظ البرنامج على البعد «العالمي» رغم الصعاب التي تحاصر مهرجاناتنا. قد لا يكون كل الضيوف من الفرق والتجارب التي تحتل الصدارة عالميّاً في هذه اللحظة، لكن ستبقى لنا دهشة الاكتشاف أو استعادة الأسماء المضمونة الجودة.


نايلة دو فريج رئيسة لجنة «مهرجانات بعلبك الدوليّة» زفت لنا النبأ السعيد: هناك شيء تغيّر منذ العام الماضي، «لقد أصبح عندنا رئيس شرف». المقصود رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة الذي درج العرف أن يتوّج بهالته المعنويّة هذه المؤسسة العريقة. لكن ذلك لا يكفي طبعاً، ولا يغيّر كثيراً على أرض الواقع، بين حدّة التوتر الذي بلغته اللحظة السياسيّة، وملامح الاحباط بسبب شح الامكانات الماديّة. بالأمس في القاعة الزجاجية لوزارة السياحة المطلة على شارع الحمرا، بدا الجميع قلقاً فوق المنصّة التي أُعلِن منها عن برنامج الدورة الحادية والستين في مدينة الشمس. وفي الوقت نفسه، بدا الجميع مصرّاً على التغلّب على القلق. هكذا طغى على المؤتمر الصحافي جوّ من «التفاؤل القسري» إذا جاز التعبير. على قاعدة «كن جميلاً ترَ الوجودَ جميلا» يعني.
وزير الثقافة الدكتور غطاس خوري بدا صريحاً ومصمّماً. «في هذا اليوم المتأزم سياسيّاً، والمنفرج ثقافيّاً». أعلن تمسّكه بـ «القضاء على عوارض الاحباط، وتوحيد البلد والنهوض به، وابراز وجه لبنان الثقافي والحضاري». لايك! دائماً نتساءل من أين يأتي الوزراء بأفكارهم في مناسبات كهذه. وأخبرنا أنّه سيقوم يوم 22 نيسان (إبريل)، بزيارة إلى بعلبك، ضمن مبادرة «حماية المواقع الاثريّة من المخاطر الطبيعيّة». ولم يلبث أن أضاف: «يجب أن نظهر أننا نهتم بالمواقع الأثريّة». اللغة فتاكة، اسألوا الوليّ الصالح جاك لاكان. ليس الاهتمام بالمواقع الاثرية هو الهدف، بل «إظهار» ذلك الاهتمام. ماشي، أحسن من بلاش.

أما وزير السياحة أفيديس كيدانيان، فاحتج مازحاً على ديكتاتورية الكاميرات التي تفرض على المتكلمين التنقل بين المقاعد للبقاء أمام الميكروفونات في وسط المنصة. «لو وزير سيادي ما كان بيغير محلّه!». الحكومة المقبلة يكون معاليكم سيادياً إن شاء الله… إذا بقي بلد! وأضاف: «نحن نقول كفى ـــ مش «كفى» تبعيت النسوان! ـــ (أخّ!) ما بق قادرين نحكي وما نفعل. مفروض البلد يكون في اتجاه تاني. كل واحد منا لازم يعطي نفحة أوكسجين… يحزن أقل، ويخلّي الناس تفرح أكثر (…) إنت وناس متلك يا جيرار أفيديسيان (مخرج عرض الافتتاح، الموجود في الصالة) ـــ مش لأنّك أرمني متلي ـــ قادرون على ذلك». هواة مسرح اللامعقول، يمكنهم أن يقدّروا هذا النوع من المشاهد. وهنا تقدّم وزير السياحة باقتراح خطير: «خارج الصالة الزجاجية قايمة قاعدة… يمكن نحنا أفضل نبقى في هذه الصالة». فكرة والله، لنبق بمنأى عن معمعة الواقع، في علبتنا الزجاجية، خصوصاً أن ممثل الوزيرة ليلى الصلح اقترح «اعادة النظر بهذه الصالة» بأفضال مؤسسة «الوليد للانسانيّة».
نايلة دو فريج لديها مشاغل من نوع آخر. بعدما حيّت الموجودين وبينهم ندى سردوك المديرة العامة لوزارة السياحة، وبشير خضر محافظ بعلبك الهرمل («كم تطورت الامور ايجابياً منذ تعيينه»، قالت)، والنائب عاصم قانوه، ورئيس بلدية بعلبك العميد حسين اللقيس، والجهات المصرفية المانحة، لفتت إلى أن 20 ألف مشاهد جاؤوا الى بعلبك في الدورة الستين، وعبّرت عن سرورها باحتضان المجتمع البعلبكي الذي يخصص له المهرجان ككل عام العرض ما قبل الافتتاحي. وعبّرت عن قلقها، كما فعلت قبلها نورا جنبلاط رئيسة لجنة «مهرجانات بيت الدين الدولية»، من «تدني مِنح الدولة، وزيادة الضرائب الجديدة التي تنعكس سلباً على مستوى مهرجاننا وصورة لبنان في الخارج».
وبالفعل فإن حالة التوتر في المنطقة، تضاف إليها الامكانات المتضائلة، تبدو جليّة على البرمجة هذا الصيف. لكن «بعلبك» ترفع التحدّي ببرنامج منوّع، فيه الأغنية العربيّة، واللون اللبناني، والترومبيت الشرقية المعولمة، والروك، والكلاسيك، وصوت القارة السمراء بمذاق كوبا الأبيّة. الافتتاح مع «الليالي اللبنانيّة» العريقة في بعلبك، بحلّة جديدة، شبابيّة تحديداً. بعد فيروز ووديع وصباح ونصري… ينتقل المشعل إلى جيل رامي عياش بالاشتراك مع ألين لحود وبريجيت ياغي. الاستعراض من اخراج جيرار أفيديسيان، تصميم الرقص لسامي خوري، أما الفرقة الموسيقية فيقودها إيلي العليا (الجمعة 7 والأحد 9 تموز 2017). الديفا الافريقية أنجيليك كيدجو توجّه تحيّة إلى ثلاث سيدات عظيمات: الكوبية سيليا كروز والافرو أميركية نينا سيمون والجنوب افريقيّة ميريام ماكيبا التي لقّبت بـ Mama Afrika (١٥/ ٧). وعلى وقع صراخ الجمعيّات النسوية الغاضبة، يعود إبراهيم معلوف مع الترومبيت الشرقيّة الروح، ببرنامج خاص إلى أدراج معبد باخوس، بعد حفلة صاخبة في «بيبلوس» في ٢٠١٤ (٢٢/ ٧). في المكان نفسه موعدنا مع موسيقى الحجرة (كمان، تشيللو، بيانو)، ومقطوعات لراخمانينوف ودفوراك وشوبر، على طريقة الـ «الثلاثي وانديرير» (٣٠/ ٧). جمهور الأغنية العربية، يتشوّق للقاء النجمة المغربية سميرة سعيد التي تقف في مكان ما بين الطرب والبوب. وستكون أمسيتها خاصة بلا شك، ومن العلامات الفارقة هذا الصيف (٤/ ٨). وختام «بعلبك» مسك مع فريق الروك الاميركي الاسطوري «توتو» الذي عاد أخيراً بعد قطيعة فرضتها سنوات المرض والموت. وسيؤدي مزيجاً من قديمه وأغنياته الجديدة (١٥/ ٨). لا نعرف بعد برنامج «بيبلوس»، لكننا نخشى أن يكون ToTo موعدنا الوحيد مع الروك الأصيل هذا الصيف.