لطالما نقل الأجداد في لبنان حكايات عن رجال قاوموا العثمانيين والاحتلال الفرنسي ووقفوا في وجههم، محققين إنجازات حالت دون التقسيم ومنعت المحتل من أن ينعم بالرخاء خلال وجوده في هذه البقعة التي سميت لاحقاً لبنان. هؤلاء الرجال صُنّفوا في خانة «حراس الأرض»، ولاحقاً وصفواً بـ«رجالات الاستقلال». لم ينصفهم التاريخ، لكنّ أسماءهم دُوّنت بلا شك بحروف من ذهب.


«بلاد العز»، هو الاسم الذي اختاره «مركز بيروت الدولي للإنتاج الفني» لمسلسله الرمضاني الجديد. يحكي العمل قصة عشائر بقاعية، وتحديداً من بعلبك، أدّت دوراً كبيراً في معارك الحفاظ على وحدة الأمة، ومن ثم على استقلال لبنان، وقاتلت من أجل فلسطين، علماً بأنّه من تأليف محمد النابلسي، وإخراج السوري عاطف كيوان.
يهدف المسلسل إلى الإطلالة على حقبة تاريخية تحتشد فيها الأحداث بين عامي 1925 و1927، في منطقة البقاع اللبناني، التي كانت ساحة صراع ما بين «الثوار» و«المستعمرين الفرنسيين» حينذاك، وأسهمت في مرحلة لاحقة في وضع أوّل مداميك استقلال لبنان. ويتطرّق العمل المرتقب أيضاً إلى الهجرة اليهودية الرابعة، وما رافقها من تبعات مأسوية في فلسطين ولبنان الذي نال استقلاله بفعل دور «الثائرين»، ومنهم الثوار البقاعيون ورجالات الاستقلال في ما بعد.
المدير العام لـ«مركز بيروت الدولي» يوسف وهبي، يكشف في حديث إلى «الأخبار» أنّ للمسلسل أهدافاً عدّة. بداية، العودة بالتاريخ القديم إلى المقاومة في المجتمع اللبناني الذي أخذ هذا الخيار منذ ما قبل الاحتلال عام 1948، إضافة إلى تصويب الصورة النمطية عن لبنان بأنّه بلد للسياحة والخدمات فقط. صورة دفعت بالجيش الإسرائيلي إلى الاستهزاء بلبنان وقول عبارته الشهيرة: «إنّ الفرقة الموسيقية تستطيع السيطرة عليه». ويضيف وهبي أنّ انتصار المقاومة على إسرائيل عام 2000، ليس بجديد على المجتمع اللبناني عموماً، وعلى أهل البقاع خصوصاً، لافتاً إلى أنّ المسلسل يريد تنشيط الذاكرة القديمة وتقديمها للجيل، عن ذاك المجتمع الذي قاوم الاحتلال الفرنسي، ومنعه من نشر فتن التقسيم. ويرمي «بلاد العز» كذلك إلى إعطاء المقاومين في تلك المرحلة من رجالات البقاع والجبل حقهم.
التحقيق الذي استغرق أكثر من عام، جمّع التاريخين، الشفهي المنقول والمكتوب الذي تم توارثه عبر الأجداد. وبخلاصة التجميع هذا، صنفت المادة ضمن الخانة التوثيقية، قبل أن يتمكن فريق العمل في «مركز بيروت» من تحويلها إلى مادة درامية عبر إدخال بعض التعديلات في الشكل، من دون المساس بمتن التاريخ والقصة الأساسية، وفق وهبي.
تتطرّق القصة إلى الأحداث التي جرت إبان احتلال الجيوش الفرنسية البلاد السورية، ودخول البقاع وإعلان ضمّ بعلبك إلى لبنان. وتروي حكاية تحرّك المناطق الملاصقة للحدود السورية، والنضالات السياسية والعسكرية، محاكية ثورة سلطان باشا الأطرش للمطالبة بالاستقلال، ومعبّرة عن رفضها للانتداب. لا يغفل المسلسل كذلك الفترة التي أقرّ فيها مجلس الممثلين للدستور، وإعلان الفرنسيين قيام الجمهورية اللبنانية، وثورة العشائر ضد الفرنسيين، فضلاً عن رجال الإقطاع الذين يشير إليهم العمل بـ«نظمي بك التركي الأصل».
تتسلسل الأحداث وتصل إلى اندلاع ثورة بعلبك ــ الهرمل التي خط فيها الثوّار «الملاحم البطولية»، وكان من نتائجها إنهاك الاحتلال الفرنسي، ورفض الضرائب المرهقة، والخروج من كبريات الوظائف التي تتحكم بمصير الدولة، ومن آثارها أيضاً إخراج «أبو علي ملحم قاسم» من سجنه. يرمز المسلسل إلى هذه الشخصية باسم «محسن»، ويؤديها النجم عمّار شلق.
المشروع استغرق جهداً استمر أكثر من أربعة أشهر متواصلة في أكثر من مئة موقع تصوير، فيما يؤدي بطولة العمل سامي أبو حمدان، وسعيد سرحان، وبيار داغر، وأحمد الزين، وسمير شمص، وآن ماري سلامة، وختام اللحام، إلى جانب العشرات من نجوم الشاشة اللبنانية. ويشارك أيضاً وسيم الرحبة ووليد سعد الدين ورند الحلبي من سوريا.
أما عن الإضاءة على منطقة البقاع تحديداً، فيقول وهبي إن المنطقة «مظلومة تاريخياً في عملها النضالي السابق في أيام الانتداب وكونها تاريخياً خزان الثورات التحرّرية اللبنانية، كما أنّها لم تأخذ حقها الطبيعي، لا في الدور الذي لعبته لنيل الاستقلال ولا في محاربة الانتداب الغازي. لذا، كان من المسؤولية بمكان على «مركز بيروت» تقديم التاريخ على حقيقته من دون التدخل في مسار الأحداث التي حصلت، لإعادة بعض حق المنطقة وأهلها على الوطن، سابقاً وحاضراً ومستقبلاً».
يرتكز السيناريو على خطوط درامية منفصلة عن بعضها حيناً، ومتصلة في أحيان أخرى، كبيان الشخصيات المؤثرة والعائلات البقاعية والتقاليد الأصيلة لتلك المنطقة، وانعكاس الفعل السياسي والعسكري عليها. وهناك خطوط تدل على الارتباط بالأرض، والتكافل الديني والمذهبي بين أبناء الوطن الواحد. ويتخلل المسلسل العديد من خطوط الحب والإيثار والألفة والطرافة.
في الخلاصة، خاض رجالات البقاع غمار النضال مرّة بالمعارك، وأخرى بالتمرد والعصيان، محققين إنجازات، ومانعين الفتن والتقسيم. يأتي هذا العمل ليعيد بعض الحق لأهله ولو في قالب درامي، لأنّ ما حجبه التاريخ أكبر بكثير ممّا حُكي، فالتاريخ يبقى دائماً وجهة نظر!

«بلاد العز» يومياً في رمضان على «المنار»