باريس | اعتادت بطلة ثورة التحرير الجزائرية، جميلة بوحيرد (الصورة)، البقاء بعيداً عن الأضواء. اختارت الصمت، منذ سنوات الاستقلال الأولى. ونادراً ما تدلي بتصريحات سياسية أو تعبّر علناً عن مواقفها أو آرائها، وبالأخص في الشأن الداخلي الجزائري. لكن «حاملة القنابل» التي أبهرت العالم يوم تحدّت جلادي المحكمة العسكرية الاستعمارية، مُستقبلة حكم الإعدام بابتسامة ساخرة، لم تفقد شيئاً من عنفوانها.
الجميع يذكر وقوفها في صف المقاومة اللبنانية خلال «عدوان تموز» (2006) وبعده، فضلاً عن مشاركاتها المتعددة في المساعي الهادفة إلى كسر الحصار المفروض على غزة. أما المتابعون للشأن الجزائري، فيتذكّرون من دون شك تهديدها المدوي بالاعتصام في الشارع، احتجاجاً على مهزلة إعادة ترشيح الرئيس الجزائري المُقعد، لولاية رئاسية رابعة، عام 2014. قبل أن يتدخل «رفاق السلاح» لإقناعها بالترفع عن تلك المعمعة، والنأي بنفسها وإرثها النضالي عن معركة «خلافة الرجل المريض».

وها هي «جميلة الجزائرية» التي خلد يوسف شاهين سيرتها في رائعته الشهيرة عام 1958، والتي تغنى ببطولتها عشرات الفنانين والكتاب والشعراء، من: بدر شاكر السياب وعبد المعطي حجازي إلى نزار قباني، تعود إلى الواجهة، بعد سنوات من الصمت والغياب، من خلال بيان مدوّ، أصدرته أوّل من أمس، وشجبت فيه إصرار سلطات بلادها على إنجاز ما سمته «فيلماً دعائياً يزعم أنه يحكي سيرة حياتي ومساري النضالي».
في بيانها الناري الذي حمل عنوان «كفى تزويراً للتاريخ، كفى تشويهاً لذاكرة الشهداء»، قالت بوحيرد إن هذا الفيلم المزمع إنجازه من قبل «وزارة المجاهدين» (التسمية الرسمية التي تُطلق في الجزائر على قدامى محاربي ثورة التحرير) يندرج ضمن «مسعى تلفيقي لم يعد أصحابه يخجلون من أي شيء، ويهدف الى إعادة تفصيل التاريخ على مقاس المنتحلين والمزوّرين، في استراتيجية تريد توظيف حرب التحرير الوطني، بشكل مغرض، من أجل منح شرعية زائفة للنظام الحاكم».


رجّحت مصادر أنّ أحمد راشدي
سيتولّى إخراج الفيلم

من جهة أخرى، أكّدت جميلة أنّها أبلغت السلطات الجزائرية رسمياً رفضها إنجاز هذا الفيلم المستوحى من سيرتها، لكن القائمين على المشروع لم يأبهوا باعتراضها. وأضافت: «السلطات مصرّة على المضي في مشروعها، بالرغم من تعبيري عن اعتراضي، بكل حزم ووضوح على هذا الفيلم الذي يريد اختزال ثورة التحرير في وظيفة دعائية هدفها تلميع صورة نظام تسلطي، غير وطني، ويفتقر الى الشرعية الشعبية ».
وتضمّن النص انتقاداً شديداً لسلسلة طويلة من الأفلام الدعائية، التي شُرع في إنجازها خلال السنوات الأخيرة، والتي يتم تمويلها بشكل مباشر من قبل «وزارة المجاهدين»، وليس من الميزانيات الثقافية المخصصة للإنتاج السينمائي.
وبالتالي، تُخضع سيناريوهات هذه الأفلام للرقابة من قبل «المؤرخين الرسميين» التابعين للوزارة. وشجبت جميلة بوحيرد هذه المقاربة التحريفية الهادفة إلى إعادة كتابة التاريخ، قائلة: «لم يكف هؤلاء التلاعب بذاكرة الشهداء، بل باتوا يمنحون أنفسهم الحق في توظيف صورة المجاهدين الأحياء في معاركهم غير المشرّفة».
ولم يُعرف بالضبط من هو السينمائي الذي أُسندت إليه مهمة كتابة هذا الفيلم وإخراجه، إذ اكتفت جميلة بالقول إنّ المشروع «يُنجز بطلب رسمي من النظام الحاكم، وبتمويل حكومي، ويحمل توقيع مخرج حكومي»!
لكن مصادر إعلامية جزائرية رجّحت أن الأمر يتعلق بالمخرج أحمد راشدي، الذي أنجز في السنوات الأخيرة عدداً من الأفلام المموّلة من قبل «وزارة المجاهدين»، عن سيرة عدد من شهداء الثورة الجزائرية، أمثال مصطفي بن بولعيد والعقدي لطفي. كما أنّه أخرج فيلماً مثيراً للجدل عن سيرة كريم بلقاسم، وهو أحد القادة البارزين للثورة الجزائرية، لكنه أغفل تماماً ملابسات تصفية بطله من قبل رفاق سلاحه السابقين، بعد الاستقلال، مكتفياً بسرد بطولاته كـ«مجاهد».
وفي ختام بيانها، ناشدت جميلة بوحيرد الجزائريين التصدي لهذه الحملات التلفيقية، قائلة: «إنني أُشهِد الشعب الجزائري بأنني أعارض إنجاز أي فيلم أكون أنا الشخصية الرئيسيّة فيه، لأنني لا أريد أن يتم استخدامي كضمانة أخلاقية أو كشاهد زور في عمليات دعائية غير معلنة المقاصد تستغل الثورة الجزائرية وشهداءها من أجل منح الشرعية للنظام الحالي». وخلصت إلى القول: «لقد آن الأوان لوضع حد للرواية الرسمية للتاريخ التي تهمّش المناضلين الحقيقيين وتمجّد الأوغاد والمزوّرين»!