«رحلة عبر الزمن» قادتنا إليها «مهرجانات بيروت الثقافية» أول من أمس. على أكبر شاشة في العالم ثلاثية الأبعاد (دخلت موسوعة «غينيس» قبل أسبوع)، استطاع ألفا شخص، أغلبهم من الشباب، الإبحار عبر الزمن إلى تاريخ بيروت، منذ أيام الأمير فخر الدين المعني الثاني، وصولاً إلى مرحلة إعادة الإعمار بعد الحرب في التسعينيات.


المشهدية المبهرة التي امتدت على ساعة ونصف الساعة في «ميدان سبق الخيل»، ابتكرها داني الجرّ (نفذتها شركة 3D Mapping Factory بقيادة إميل عضيمي)، لتشكل الجزء الثاني من قصة بيروت التي رويت العام الماضي خلال الدورة الأولى من المهرجان. هذه المرة، يروي القصة مغترب لبناني شاب، يعود إلى بيروت بناء على نصيحة جدّه، ليأخذنا برحلة جديدة إلى هذه الحقبات التاريخية. حقبات يتخللها حوار بين هذا الشاب الذي يمثل الحاضر وبين شخصيات تاريخية لبنانية، من المير فخر الدين، إلى بشارة الخوري ورياض الصلح (عهد الاستقلال)، وصولاً إلى العصر الذهبي لبيروت، وانتخاب ملكة جمال الكون جورجينا رزق (1971). تطل الأخيرة على هذه الشاشة وتعيد محاكاة تلك اللحظة التي مضى عليها أكثر من 40 عاماً، لتبدأ بعدها رحلة حزينة، تمثلت في إعادة سردية الحرب الأهلية، وتقاتل اللبنانيين، وانقسام المناطق بين «شرقية»، و«غربية» على وقع أغنية فيروز الخالدة «لبيروت». وفي النهاية، نرى إعادة إعمار وسط بيروت، ومشهداً مختلفاً عن سوداوية الماضي.
طيلة هذه المشهدية السمعية -البصرية، نستمع إلى الممثل جورج خبّاز الذي كتب نصوص العرض، وأدّاها بصوته، الى جانب الممثلين جوزيف بو نصار، وعمر ميقاتي. نصوص حِيكت على نسق السجع، في ترتيب الكلمات، الملأى بالاستعارات اللفظية والمجازية. مشهدية تخللتها وقفات راقصة لشباب لبنانيين أحب المنظمون دعم مواهبهم، وأيضاً فسحة موسيقية (تأليف غي مانوكيان) حيّة، بقيادة إيلي العليا، ومشاركة أكثر من 100 عازف/ة وراقص. الموسيقى الخاصة التي ألفّها مانوكيان، ستعزف إلى جانبها مجموعة أغنيات تراثية خالدة، تحاكي الحقبة التاريخية. وللفنان زكي ناصيف حصة وافرة هنا، أكان في مرحلة الحرب (أغنية «مهما يتجرح بلدنا»)، أو في السلم («راجع يتعمر لبنان»، «تسلم يا عسكر لبنان»).
عدا تأريخه بعض حقبات بيروت، وتقديمها على أنها مدينة لا تموت رغم المآسي والاحتلالات التي عاصرتها، لعلّ اللفتة الأساسية في هذا العمل، هي وقفة مع أعظم الفنانين/ات، الذين مروا في تاريخ لبنان، من نبيه أبو الحسن، وعاصي الرحباني إلى عليا نمري وفريال كريم وإبراهيم مرعشلي وليلى كرم وشوشو ونصري شمس الدين... وقفة تكريم لهم، بعدما قضى أغلبهم موتاً، وقهراً جراء العوز المادي، وغياب الدعم الاستشفائي لهم. تطل وجوه هؤلاء عبر الشاشة العملاقة، لتذكر الجيل الحالي بهم، وتعيد لوم الدولة على تغييبها لدعمهم، وإسقاط عمالقة المسرح والسينما والتلفزيون عن خارطة الاهتمام الرسمي.
«رحلة عبر الزمن» (تستمر إلى 2 تموز/ يوليو)، صناعة لبنانية بحت، نفذتها أيدي مبدعين، استطاعوا منافسة أهم المهرجانات العالمية، بالصوت والصورة، والإبهار والفكرة. وسيحضر إلى جانبها فيلم التحريك «ألوان بيروت» (من 3 إلى 5 تموز)، وهو صناعة لبنانية صرف، يحكي قصة بيروت التي «ضيّعت ألوانها» ويحاول الجميع إعادتها إليها، آتين من مختلف المناطق اللبنانية.

* «مهرجانات بيروت الثقافية»: حتى 5 تموز (يوليو) ـ «ميدان سبق الخيل» (المتحف ــ مقابل المحكمة العسكرية) للاستعلام:
[email protected]