أمس، رحلت الفنانة منى مرعشلي (1958 ــ 2016/ الصورة) إثر إصابتها بأزمة قلبية حادّة عن قليل من العمر وكثير من الذكرى. إنّها سيدة الدهشة بغير جدال... هكذا كانت يوم أطلت للمرّة الأولى على الجمهور من منصة «استديو الفن» على شاشة «تلفزيون لبنان» عام 1973، لتذهل الذوّاقة بنخبهم وعوامهم على حد سواء. وهكذا استمرت في أغانيها المتجددة التي جسّدت استمرارية سيدة الطرب الأصيل أم كلثوم. وهكذا باغتت محبيها بانكفائها عن المسرح الغنائي في ذروة تألقها، وهكذا أيضاً رحلت عن هذه الدنيا بصمت لا يتقنه سوى الكبار الذين يغادرون، بينما ينتظر قدومهم الجميع.

اختلف العمالقة من صناع الموسيقى العربية على أمور كثيرة، لكنهم اتفقوا على استثنائية صوت منى مرعشلي. لم يتردد أحد منهم في اعتبارها إحدى اللقى النادرة في تربة الغناء العربي، كان مجيئها بالتزامن مع رحيل كوكب الشرق نوعاً من المصادفة القدرية المحببة. لمرّة نادرة، يبدو الدهر كريماً إلى هذا الحد، فيجود سريعاً بما ضنّ به طويلاً.

بمجرّد سماعه صوتها، لم يتردد الموسيقار الأسطوري سيّد مكاوي في القول عنها إنّها «موهبة خطيرة، تحتاج إلى ما يليق بها من ألحان»... وهي شهادة كان كثيرون من أهل الغناء المخضرمين يتمنّون سماعها من صانع للأغنية بحجم الرجل. أما الملحن المذهل بليغ حمدي الذي اتصف بمزاجه الصاخب، وجرأته على تسخيف الكثير من العلامات الإبداعية المكرسة، فقد تخلّى عن نزق معهود عنه ليُعلن استعداده للتفرّغ للموهبة الشابة التي دخلت معترك الاحتراف لحظة إطلالتها من نافذة الهواية. كذلك أبدى الملحن الرصين محمد سلطان رأياً لم يعتد أن يصدر ما يشبهه: إنّها من طينة الكبار... وصوتها يستدعي رعاية خاصة. منذ خطواتها الفنية الأولى، اقتحمت منى مرعشلي أسوار الغناء العالية، لامست عرش السيدة أم كلثوم التي تربعت طويلاً على القمة من دون منازع. واليوم بعدما ختم الزمن دورته، لن يكون صعباً أو مبالغة الاستنتاج أنّه لم يكن بين أم كلثوم ومنى مرعشلي صوت أنثوي يستحق أن يقارن بصوت واحدة منهما. ما يجدر التنبّه له جيداً أن منى مرعشلي كانت، منذ أوّل إطلالة لها، تفتقر إلى المقاييس الجسدية المتعارف عليها في صناعة النجوم، الإناث خاصة، لكن خصوصيتها تلك لم تمثل عائقاً أمام ارتقائها سدّة الشهرة بسرعة ملحوظة، أمكنها تحقيق نجومية باهرة خلال فترة قياسية، وتعيّن عليها جراء ذلك خوض منافسة مع آخرين، أخريات للدقة، يتفوقن عليها بمواصفات الهندسة الجمالية. لكنها لم تجد صعوبة في شق طريقها نحو القمة دونما عناء، بل لعلها استطاعت أن تحيل ما تصنفه العادات نقطة ضعف معيقة للنجومية إلى عامل تمايز ساهم في منحها خصوصية تضاف إلى قدراتها الصوتية الباهرة. ومن أشهر أغانيها «تركني انسالي اسمي»، و«أنسى الدنيا»، و«سافر يا حمام»، و«سألت كل مسافر»، و«عاشرت كل الحبايب»، و«عجايب»، و«علشان عيونك»، و«لك شوقة»، و«ليه تحلف بعيني»، و«مالي ومالك»، و«ياللي رايدني»، و«ياما وياما وياما»، إضافة إلى «ما تصدقش كلام الناس»، و«يا حبيب الروح»، و«ليالي زمان»، و«شمس المغارب»، و«حاسب قبل ما تهجر»، و«جمال الأسمر الساحر».
برغم الفترة الزمنية المتواضعة نسبياً التي منحتها الحياة لمنى مرعشلي، تمكنت من أن تحفر لنفسها مكاناً ومكانة في صميم الذاكرة الجامعة، بما يلزم أي عملية تأريخ فني أن تفرد لها مساحة واسعة من صفحاته، سيتعين على ذلك التاريخ أن يروي كيف أمكن لفتاة خجولة، متواضعة المظهر أن تدير الأعناق الشامخة، وأن تثير الدهشة في العيون التي اعتادت التحديق بعيداً. سنتذكرك طويلاً منى، سنستعيد كلمات أغنياتك التي أتقنت اختيارها، لكننا لن ننسى اسمك يوماً...