الجزائر | فيما العالم يحتفل باليوم العالمي لحقوق الإنسان (10 كانون الأول/ ديسمبر)، ودّع الوسط الإعلامي الجزائري أوّل من أمس، الإعلامي الجزائري ــ البريطاني محمد تامالت (42 عاماً ــ الصورة)، الذي يُعتبر أوّل صحافي يقضي في سجون الجزائر المستقلة.


غلبت الصدمة على أرض الواقع وعلى العالم الافتراضي جرّاء رحيل تامالت الذي شيّع، أمس، إلى مثواه الأخير. وكانت إدارة السجون الجزائرية قد أعلنت في بيان أنّه «توفي جرّاء التهاب في الرئتين كان يُعالج منه بعد اكتشافه في 1 كانون الأوّل (ديسمبر) الحالي في أحد مستشفيات العاصمة الجزائرية». وكان قد أُعلن رسمياً عن الوفاة قبل ذلك على لسان محاميه، أمين سيدهم، الذي كتب على صفحته الرسمية على فايسبوك: «تأكيد وفاة الصحافي محمد تامالت في مستشفى «باب الوادي» بعد إضراب عن الطعام دام لأكثر من ثلاثة أشهر وغيبوبة دامت ثلاثة أشهر».
وكان تامالت قد أوقف بعد عودته من بريطانيا لقضاء العطلة، قرب منزله العائلي في العاصمة الجزائرية في 27 حزيران (يونيو) 2016، بتهمة «الإساءة إلى رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة، وإهانة هيئة نظامية»، ما دفعه إلى تنفيذ إضراب عن الطعام مباشرة بعد إيداعه السجن. ورغم احتجاجه، حُكم عليه بالسجن لمدّة عامين في 11 تموز (يوليو) الماضي، إضافة إلى غرامة مالية بقيمة ألفي دولار أميركي، فيما تم تثبيت الحكم نفسه في محكمة الاستئناف في 9 آب (أغسطس)، من قبل المحكمة التي نظرت في ملف الطعن الذي قدّمه الصحافي. وأكد الأخير أثناء الجلسة موقفه الثابت بخصوص ما نشره في مدونته «السياق العربي». وأعلن تامالت عن تحمّله مسؤولية كل ما كتبه عن كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين في الجزائر، حتى ما يتعلق بحياتهم الشخصية، ما عرّضه أحياناً كثيرة للنقد والاتهام بـ«عدم المهنية». وأكد الراحل للقاضي: «أنا صحافي محترف ومن واجبي انتقاد المسؤولين ونقل مساوئهم». وأضاف: «لماذا أندم؟ أنا شخص يحب وطنه، أنا صحافي ومن حقي انتقاد رئيس الجمهورية وممارسة الرقابة المواطنية عليه».
الصحافي الجزائري حميد غمراسة الذي كان أوّل من كتب عن تدهور حالة تامالت الصحية ودخوله في غيبوبة في شهر آب الماضي، قال لـ«الأخبار» إنّ «هذه النتيجة كانت متوقعة، لأنّ الفحوص الطبية التي أجريت له عقب توقيفه، أكدت أنه يعاني من أمراض مزمنة عدّة. وبدخوله إضراباً عن الطعام قد يتفاقم وضعه الصحي». وأكد أنه في «منتصف شهر آب الماضي ــ أي بعد قرابة شهرين من إضرابه عن الطعام ــ أعلنت العائلة عن قلقها بسبب تدهور حالة ابنها الصحية، وكشفت عن دخوله في غيبوبة وربّما تعرضه للتعنيف. ورجّحت أن تكون آثار الجروح البارزة على رأسه بسبب محاولة إرغامه على الأكل».
ويعتبر غمراسة أن ما حدث «لا يمكن السكوت عنه»، خصوصاً أنّه تابع محاكمات تامالت عن كثب، ونقل التهم المنسوبة إليه، والتي رأى فيها «تهم رأي مهما كانت محاولات تكييفها. فالصحافي حوكم بسبب رصده تجاوزات الشخصيات العامة من جهة، وقصيدة يتعرّض فيها لشخص الرئيس نشرها على صفحته على فايسبوك من جهة أخرى». وهذا ما يعري وفق غمراسة «هشاشة قوانين الإعلام رغم كل المزايدات التي رافقت تعديل الدستور الجزائري وغيره من القوانين، أخيراً، وتظهر الأمر على أنّه مكاسب كبيرة للإعلام، لكن في الحقيقة ما حدث لهذا الصحافي كاف لتعرية المغالطة بخصوص قوانين الإعلام وحرية التعبير في الجزائر».
في غضون ذلك، سارع العديد من المنظمات الإنسانية الدولية والوطنية، إلى إدانة الحدث ومطالبة السلطات الجزائرية بـ«ضرورة فتح تحقيق عاجل». ومن بين هذه المنظمات، «منظمة العفو الدولية» التي طالبت الجزائر بـ«فتح تحقيق شفاف في الظروف التي أدت إلى وفاة الصحافي» في الوقت الذي اعتبرت فيه «مراسلون بلا حدود» الحادث «ضربة لحرية التعبير في الجزائر».