دمشق | أغلق نزار صابور قوس الحرب على «ست سنوات» من الجحيم السوري في مفكّرة تشكيلية ضخمة أرادها توثيقاً بصريّاً لما شهدته البلاد من أهوال. في معرضه الجديد الذي استضافه «خان أسعد باشا» في دمشق القديمة، سيضعنا مباشرة في قلب المأساة السورية عاكساً مراياه الداخلية وفقاً لتطورات المشهد.


هكذا وجد هذا التشكيلي السوري في أوراق نعي الموتى عتبة تشكيلية أولى لرصد تاريخ الموت وتحولاته، إذ بدت سينوغرافيا المكان مقسّمة إلى ست حركات تتوافق مع وقائع ومجريات الحرب ليس كمفردات مباشرة، إنما عبر إحالات ورموز وكتابات، تمتصها قماشة اللوحة على طبقات هي مزيج من عناصر المنمنمات والأيقونة.
نجول في أروقة الخان مبهورين من هذا المخزون اللوني الثري والمعالجات العميقة للسطوح. سنتذكّر أننا أتينا قبل سنوات إلى المكان نفسه. حينذاك، كان نزار صابور منشغلاً بـ «عنترة زماننا»، لكنه هذه المرّة سيترك سيف فارسه وحيداً، ليتوغّل في أسباب اندحار الفروسية والعشق في مراجعة بانورامية لكتاب الحياة والموت. هكذا سنكتشف «معلولا» أخرى غير تلك التي اعتدناها في أرشيف المحترف السوري. ها هنا نفحة آرامية تستيقظ من بين أثلام الصخور والجبال كتاريخ عصيّ على المحو أو النسيان. كأنه بإعادة الاعتبار إلى الجذور الأولى لهذه التضاريس المقدّسة، يزيح جانباً بقع السواد والكراهية التي غزت المكان ولوّثت جمالياته وحضوره. وستتكشف ألوانه عن حيرة أصيلة بين حطام الأمكنة وبهجة اللون كشحنة تعبيرية مضادة، إلى أن يتوقف عند مفردة الصمت، ليس من موقع الانكفاء، بل لمزيد من تأمل روعة التراب والعناصر الكثيفة للجمال المختبئ، بإشارات خاطفة وتراكمية وخلط ما هو محسوس وذهني في فضاء سينوغرافي واحد، ومزاوجة الأسود الداكن والرمادي الشهيّ عبر توشيحات شرقية صرفة لطالما أكد عليها صاحب «حياة في الرماد» لترميم عطب الفن المحلّي، سواءً في اشتغاله على الفنون التدمرية، أم باختبار تضاريس القلمون، وكذلك النفحة الروحية للأيقونة الشرقية التي سوف يسحبها إلى ما هو دنيوي مشع.
120 عملاً تتيح لنا إطلالة كاملة على أرشيف الفجيعة السورية، في مدينة «تهدينا قذائف أكثر مما تهدينا عصافير الدوري» وفقاً لما يقوله في سياق انفعالاته التعبيرية، قبل أن يجد ملاذه الآمن في «صحن الزيتون»... هذا الصحن الذي يجمع كل السوريين حول مائدة واحدة.
عدا قوة الفكرة ومقاصدها، سيبتكر نزار صابور وليمة لونية باذخة استمدها من نواة حبة الزيتون في معالجات معمّقة أفضت- على صعيد بصري- إلى ما يشبه «العشاء الأخير» في غياب قديسيه. في محطة أخرى سابقة، سنتوقف مليّاً أمام مجموعة «أشلاء سورية» المشغولة بصخب لوني تارةً، وعنف طوراً، كترجيع لأوركسترا الخراب. دوائر تتلاشى، وأخرى تتسع في إحالات متناوبة للحزن مرّة، وللإشراقات الغامضة، مرّة أخرى. وفي «الحصار» سيستنجد بأقوال وأبيات شعرية من محمود درويش وقاسم حدّاد وصولاً إلى شاهدة قبر ميخائيل نعيمة ليكتب باللون: «أيها المارّ كالظل يا أخي، ما أجمل الحياة، إني كنتُ فيها سعيداً».
هكذا سيغلق كتابه اللوني «حارس الموت والحياة»، الكتاب الذي أراده أرشيفاً للدم السوري المهدور طوال «ست سنوات» من دون فجائعية مباشرة. وسنودّع هذا الصوفي والزاهد والمحزون عند باب الخان القديم قبل أن يتوارى في متاهة أيقونة غارقة بطلسة خضراء.

* «ست سنوات» لنزار صابور: حتى اليوم ــ «خان أسعد باشا» (دمشق)