القاهرة | لأنّ مصر عجيبة فعلاً، لا يمكن قياس ما يحدث فيها بأي دولة أخرى. مثلاً، لا يمكن أبداً اعتبار أنّ مجلس النواب المصري يعبّر عن الشعب، أو أنّ ما يدور داخله من مناقشات ناتج من مشاكل تهم المواطن، أو تهدّد الأمن القومي للبلاد، بل غالباً ما تكون القرارات والنقاشات انعكاساً لتوجهات النظام. على هذا الأساس، يمكن تفسير ما يحدث أخيراً مع الإعلامي إبراهيم عيسى (الصورة)، ومع قناة «القاهرة والناس» التي تعرض برنامجه «مع ابراهيم عيسى».


مساء الإثنين الماضي، فوجئ متابعو برنامج عيسى بعدم ظهوره على الهواء مباشرة كما جرت العادة، وبث حلقة مسجلة، رغم أنّ فريق الإعداد كان قد رتّب ضيوف الحلقة، قبل أن يتم فجأة الاعتذار للضيوف. وفي ظل غياب عيسى عن الشاشة، برزت حملات تضامن واسعة معه على مواقع التواصل الاجتماعي، تطالب بعودته. صحيح أنّه كان من بين المتضامنين غاضبون من عيسى، غير أنّ مؤيدي السيسي فرحوا بما يحدث. لكن فرحة هؤلاء لم تطل، إذ أكد فريق إعداد البرنامج أمس أنّه سيعود إلى الظهور مباشرة مرّة أخرى، وهذا ما حدث فعلاً. أطلّ إبراهيم عيسى واستضاف الخبير الاقتصادي ورئيس مجلس إدارة «الأهرام»، أحمد السيد النجار. لكن هذا ليس مؤشراً إيجابياً، لأنّ الخطر لا يزال يتهدد استمرار البرنامج، خصوصاً أنّ الحكومة تعاملت معه بمنطق «اللف والدوران». فقد نكّلت بمالك القناة، طارق نور، بقرار مفاجئ يقضي بإلغاء معرض للأثاث (لو مارشيه) هو راعيه الرسمي. وبهذا الإلغاء، سيتكبّد نور خسائر كبيرة.
لكن كل هذا لم يحدث من فراغ، بل كانت هناك مقدّمات قبل أسبوع. ففي جلسة لمجلس النواب الأسبوع الماضي، فتح النواب النار على ما يقوله إبراهيم عيسى في «مع ابراهيم عيسى»، وما يكتبه في صحيفته «المقال». فهو من أكبر المهاجمين لسياسات النظام، وأداء مجلس النواب خلال الفترة الماضية. اتهمه النوّاب بأنّه يعمل دائماً على «نشر أكاذيب تهدف لهدم الدولة، والإساءة للبرلمان». هذا المشهد بالتأكيد لن يغيب عنه نائب مثل مصطفى بكري الذي وقف بعصبيته المعهودة يصرخ في وجه النواب ويهاجم عيسى. بعد استعراض تصريحات عدّة لعيسى معارضة للبرلمان والنظام، أكد بكري الذي يشغل منصب رئيس تحرير جريدة «الأسبوع» الأسبوعية أن هناك «فارقاً بين حرية الرأي وبين نشر أخبار تهدف إلى الإثارة، وهذه الجهات لا تلتزم بقيمة حقيقية، وإذا أصبحت الحرية غير مسؤولة فسيكون من حق أي أحد أن يقول أي شىء، لأنّ ما يحدث هو من آليات الجيل الرابع في الحروب، ويمثل إعلاماً غير مسؤول يشكك من اليوم الأول بأن البرلمان لا يعبّر إلا عن ربع الشعب...». بالعصبية نفسها، طالب بكري باتخاذ الإجراءات القانونية ضد عيسى و«القاهرة والناس» بهدف «حماية النظام العام، ومنظومة الإعلام». من جهته، شارك النائب علاء عابد، رئيس لجنة حقوق الإنسان، في الهجوم على عيسى، لافتاً إلى وجود «محاولات حثيثة من إعلاميين لهدم الدولة من خلال المؤسسة التشريعية، وهناك بعض الإعلاميين مموّلين من بعض رجال الأعمال، ويتحدثون باسم الشعب، والأمر يحتاج إلى وقفة، وبلاغات من النواب».
رئيس مجلس النواب، علي عبد العال، قال الكلمة الفصل في أمر عيسى: «هذا الإعلامي يرتكب جرائم كل يوم تضعه تحت طائلة القانون، وتصل إلى حدّ التحريض على العنف. لديّ رصد لهذه المحطة الفضائية (القاهرة والناس)، وهذه التفاهات لن تمر مرور الكرام». ومن على منصته، ألزم عبد العال الهيئة العامة للاستثمار بـ«تقديم تقرير كاف وواف للمجلس خلال أسبوع عمّا يدور في هذه المحطة».
ممثل الحكومة في المجلس، المستشار مجدى العجاتي، وزير شؤون مجلس النواب، قال بدوره بالعامية: «إحنا مش هنقف متفرجين على المشهد ده، محدش يقدر يزايد على المجلس ده، وما ستفعله الحكومة سيلقى قبولاً من البرلمان».
على أي حال، ظهر إبراهيم عيسى على «القاهرة والناس» أمس، إلا أنّ أحداً لا يعلم إذا ما كان سيظهر بعد ذلك أم أنّ الحكومة والبرلمان سينفذان تهديداتهما.