كان موعداً «سحريّاً» في أعالي الشمال، في عرين «المردة»، عند سفح الجبل الأخضر. افتتاح «مهرجان أهدنيّات الدولي» جاء محاطاً بالهالة والدهشة، مسكوناً بالابتكار والمفاجأة والفرادة، مدعوماً بالضخامة الاستعراضيّة التي تصنع الافتتاحات الناجحة. إذا كان «أهدنيّات» مهرجاناً يافعاً نسبيّاً، أي أنّه حقاً مهرجان متحرّر من ثقل التاريخ وعبء التقاليد الاحتفاليّة، فذلك يعطيه قدرة إضافيّة على الاختبار والتجريب والمغايرة، والمراهنة على الاختلاف.


هذا هو الرهان الذي أخذته على عاتقها ريما فرنجيّة هذا الموسم، حين عهدت إلى الممثل المتعدد المواهب جورج خبّاز، بمغامرته المجنونة. استعادة مجموعة من الأفلام الخالدة التي تسكن ذاكرتنا، بالموسيقى والصورة والحركة، بحضور أوركسترا ضخمة ترافق العرض، بل هي العرض، يقودها المايسترو المرهف والماهر لبنان بعلبكي. «سينما أوركسترا»، أو Ciné Orchestre حسب العنوان الفرنسي لعرض الافتتاح الذي ألهب الجمهور، دعوة إلى السفر في الذاكرة، الفرديّة والجماعيّة. رحلة حميمة في الذائقة والتاريخ، وحتّى السياسة إذا حدقنا جيّداً، من خلال لقطات خالدة، ومشاهد وحوارات نعرفها عن ظهر قلب، أو يتلقفها القادمون الجدد خريطة طريق ثقافيّة، تجسّدت أمامنا على الخشبة، وخرجت أحياناً من الشاشة لتصبح عرضاً حيّاً.
خرج من الشاشة رجال «حرب النجوم» الآليون، راقصو «الغناء تحت المطر» (فيلم جين كيلي الغنائي)، عاشقا زيفيريللي الشكسبيريان يؤديان رقصة النهاية، الثنائي ألفريدو/ والطفل توتو من فيلم جوزيبي تورناتوري الشهير الذي يحكي عشق السينما والزمن الهارب… نساء نادين لبكي يطبخن «حشيشة قلبي» عسى الحشيشة تصنع السلم الأهلي في لبنان، فيما وقفت تانيا صالح إلى يسار الخشبة تؤدّي أغنيات فيلمَي لبكي («كاراميل»، «هلأ لوين»، من كلمات تانيا غالباً وألحان خالد مزنّر)... ولم نفلت من «سوبرمان» ريشارد دونر يتزحلق على حبل فوق رؤوسنا، ولا من الخيّال وفرسه يعبران أمام المسرح خارجَين من ويسترن «السبعة الرائعون». أما إيمانويال خيرالله، الطفل «غدي» بطل جورج خبّاز الذي لم يعد طفلاً، فجاء يحيينا شخصيّاً (وقفة لها دلالاتها في سياق رسالة هذا المهرجان الذي يعود ريعه لدعم «مركز سرطان الأطفال في لبنان» و«أكاديمية جورج نسيم خرياطي للسير» التي تهدف إلى نشر التوعية حول السلامة المرورية). ولعل لحظة الذروة هي عبور «أسعد» عربجي «سفر برلك» (الأخوين رحباني/ هنري بركات)، الممثل عبد الله حمصي، أمامنا، بعد كل هذه السنوات، مردداً بلهجته الشمالية الأثيرة مونولوجاً عن مصادرة «العثمليّة» لحمولته من القمح. «عيني ما تشوف النوم يا ديب»! أكسسوارات الأفلام وديكوراتها، تجسدت أيضاً على الخشبة أحياناً، من آلة عرض سينما بارديزو، إلى شرفة جولييت، من دون أن ننسى قبعة شارلو…
على الشاشة راحت تتعاقب الصور وتتقاطع: «العراب» مارلون برندو… سوبرمان وإنديانا جونز. أنتوني بيركينز وجانيت لايت بطلا «سايكو» هيتشكوك، في مشهد الحمّام الذي طبع تاريخ السينما، شارلي شابلن في أغنية «الأزمنة الحديثة» الشهيرة… لكن الاستعراض الذي دعا إلى العيد هيتشكوك وسبيلبرغ وشابلن وكوبولا وزيفريللي ولوكاش وتورناتوري… وآخرين بينهم نادين لبكي وخباز نفسه، لا معنى له من دون الموسيقى. فقد جاءت نسغ الاستعراض، وبعده الثالث، والطاقة التي تحمل سائر العناصر. الموسيقى هي سحر اللعبة هنا، إكسير الزمن الهارب… كان المايسترو لبنان بعلبكي هو المتحكّم الفعلي بأعصابنا ومشاعرنا في تلك السهرة المعلقة خارج الزمن. استعادت الأوركسترا ألحاناً شهيرة هي الأخرى، بتوقيع نينو روتا وإنيو موريكوني وجون ويليامز (سوبرمان، حرب النجوم، انديانا جونز)، وآخرين… كانت الفضاء المجرد الذي يحتضن لعبة التوازيات الملموسة بين الأزمنة، لعبة مطعمة بالحنين زادها جورج خباز «بكائيّة» أحياناً، لكن لا بأس. فقد كانت أمسية سنتذكرها طويلاً. شكراً إهدن.