فجأة استفاق محبو السياحة على جورجيا، البلد الأوراسي القابع بين جبال القوقاز الخضراء والبحر الأسود. عشرات السياح اللبنانيين والعرب يتوجهون يومياً إلى العاصمة تبليسي (جنوبي غرب البلاد) وباقي المدن الجورجية، ذات التنوّع العرقي واللغوي الكبيرين، والتي تشتهر بطبيعتها الجميلة المتمثلة بالجبال الجميلة الكثيرة والعالية، والسواحل الفريدة، والغابات المطيرة.


جورجيا موطن لعدد كبير من الأنواع الحيوانية والنباتية، وتشتهر بالكثير من المواقع الأثرية، والقلاع والأبراج، والحصون.
عند الوصول، تُبهرك أشجارها العملاقة الكثيفة، خصوصاً أشجار الأرز المعمّرة، والتي قارب عددها الـ 500 ألف. أما الأنهار والينابيع، فتملأ بقاعها الخضراء، لكن طبيعتها الجميلة ومنازلها التراثية القديمة تدل على أن المقيمين فيها هم من الفقراء أو من أصحاب الدخل المتوسط. على جوانب الطرقات النظيفة والواسعة، تنتشر البسطات المنوّعة، وأصحابها من النساء الطاعنات في السنّ. «لا بديل لنا من العمل، معظم النساء يعملن بسبب الفقر وقلة عمل الرجال». تكاد لا تخلو زاوية في المدينة من الأطفال والمعوزين من النساء، يمددن أيديهم طلباً للمال. مشاهد الفقر، تتناقض مع الغنى الطبيعي والتراثي الباهر. أراض خضراء واسعة، تحيطها الأنهار والبرك الطبيعية، وتملأها الأبقار والحيوانات الداجنة. أما منازلها الجميلة، فقديمة جداً ومغطاة بالقرميد الطبيعي أو الاصطناعي، لتبدو تبليسي وكأنها مدينة أثرية، مخصّصة لمحبّي الآثارات والسياحة.
كل مقوّمات الحياة والحضارة تكاد تكون موجودة في جورجيا، رغم الأوضاع الاقتصادية الخانقة للسكان، الذين لا يجيدون التعامل جيداً مع السيّاح، ويحاولون الابتعاد عنهم، وعدم التعرّض لأي منهم. لكن طباعهم الحادة تفرض نفسها في معظم الأوقات، لا سيّما عند ارتكاب الزائر لأي خطأ. في ميدان العمل والإنتاج، تبدو المرأة هي العنصر الأساسي الذي تعتمد عليه الأسر الجورجية والسياح أيضاً. «طباع الرجال هنا يصعب التعامل معها، ويبدو أنّهم اعتادوا منذ زمن على عمل نسائهم، وهذا ما يؤدي غالباً الى انتشار الطلاق»، تقول إحدى العاملات الجورجيات، مشيرة إلى أن «معظم الرجال مدمنون على الكحول، الأمر الذي يدفعهم إلى ترك أشغالهم... لتبقى المرأة المنتج الرئيسي في المنزل، ما يولّد مشكلات أسرية».
إذا قرّر المسؤولون والشعب، تستطيع جورجيا منافسة الدول السياحية المجاورة، لا سيّما تركيا، خصوصاً أن الكثافة السكانية في جورجيا متوسطة، حيث تبلغ 5 ملايين نسمة على مساحة تبلغ 69,700 كلم مربع. وإلى جانب غالبية الجورجيين، هناك أعراق جنسيات أخرى من الروس والأرمن والأتراك والأذريين والأبخازيين والأوكرانيين والأكراد، وغيرهم. اللغات كذلك منوّعة، فيما غالبية السكان من المسيحيين الأرثوذكسيين. العملة الرسمية هي اللاري الجورجي، في الوقت الذي تكشف فيه الاكتشافات الأثرية والمراجع في المصادر القديمة عن عناصر من تشكيلات سياسية وكيانية أولية تتميز بتقنيات متقدمة في صياغة الذهب، وصهر المعادن، والتي تعود إلى القرن السابع قبل الميلاد.
يعد كهف فورونيا (المعروف بمغارة كروبيرا ــ فورونيا) أعمق كهف معروف في العالم، إذ يبلغ عمقه حوالى ألفي متر. أما كهف بروميثيوس، القريب من مدينة كوتايسي، فواحد من عجائب جورجيا الطبيعية والذي تم اكتشافه عام 1984. وهو واحد من الكهوف السياحية الدولية الأكثر شعبية، ويشمل أنواعاً مختلفة من الهوابط، والصواعد، والستائر، والشلالات المتحجرة، واللؤلؤ، والأنهار تحت الأرض، والبحيرات.
في محاذاة البحر الأسود، تقع مدينة باتومي التي تحوي الحديقة النباتية الجورجية، التي تبلغ مساحتها 108 هكتارات، وتعود أصولها إلى عام 1912، وتضمّ 2037 نوعاً من الأشجار العملاقة، مأخوذة من تسعة قطاعات زراعية وهي المناطق شبه الاستوائية الرطبة القوقازية، وفي شرق آسيا، ونيوزيلندا، وأميركا الجنوبية، والهمالايا، والمكسيك، وأستراليا، والبحر الأبيض المتوسط. وتحتوي الحديقة أيضاً على ثلاث حدائق: العليا، والسفلى، ومتنزه «جيورجي غابريتشيدز» إلى جانب البحر.