بغداد | يوفّر سير الأوضاع في العراق حالياً أرضاً خصبة لولادة الشائعات. فيمكن أي شخص أن يكتشف أنّ الحي الذي يسكن فيه قد محته عصابات الزومبي بجرافات «افتراضيّة»، ويجد نفسه مجبراً على التصديق، ولا سيّما أنّ ثمّة من يشعل النار ويؤلّب الناشطين على فايسبوك. هكذا، ينتشر الخبر من دون تدقيق.

بعد الشائعات التي طاولت تمثال أبو نواس في بغداد (الأخبار 7/7/2015)، أصبحنا أمام شائعة جديدة حول إزالة «نصب الشهيد» (الصورة) في العاصمة العراقية للنحّات الراحل إسماعيل فتّاح الترك (صاحب تمثال أبو نواس)، بحجّة وجود نيات لوضع نصب يخلّد شهداء «مذبحة سبايكر» مكانه. يبدو أنّ الشائعة صُنعت بمهارة وإتقان، فمن يعترض عليها فسيُتّهم بأنّه ضدّ دماء ضحايا الجريمة التي وقعت العام الماضي، وتعتبر من الأبشع في تاريخ البلاد.

خلط الأوراق واضح، فنصب الشهداء صُمّم لتخليد ذكرى شهداء الحرب العراقيّة ــ الإيرانيّة، وتعدّت رمزيته وقيمته الفنيّة مجرّد التعبير عن ضحايا حرب بعينها. فقد أصبح يعبّر عن خلود الشهيد، بعبقرية التصميم الذي يوحي إلى ارتقاء الروح عالياً ومعانقتها للسماء، فيما تخترقه الماء من بحيرة اصطناعيّة حوله، في إشارة إلى التدفّق الدائم لدم الشهيد.
انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي أنباء لا تزال هوية من يقف وراءها مجهولة، تفيد بأنّ تخليد هذه الفاجعة سيكون بديلاً من أو بجوار «نصب الشهيد» وسط بغداد، وهذا بعيد عن المنطق وضرورات احترام هيبة الدم المسفوك على مذبح القصور الرئاسيّة في تكريت. لا بدّ من تجسيد ينطلق من قيمة ثقافيّة تذكّر بحجم الكراهية التي تتمثّل بتفجيرمئة سيّارة ملغمة بالأبرياء المدنيّين. ولا بد أن يكون النصب عند إحدى بوابات بغداد أو في وسط المدينة بين جانبي الكرخ والرصافة، يمرّ عليه العراقيّ، مستعيداً الحادثة والمغدورين بقيم لا تتنصّل من الحقيقة المرّة، لكنّها تدعو من خلال العمل المُنتظر إلى طيّ أحقاد الماضي وتفكيك نتائجه الماثلة أمامنا الآن. وبالطبع، إنّ المباشرة والتوظيف المستهلك غير مسموح بهما هنا.
في هذا السياق، تروّج مواقع إلكترونيّة عدّة لمعلومة عن أنّ رئيس الوزراء حيدر العبادي «وافق على إزالة «نصب الشهيد» وتشييد آخر لضحايا سبايكر بدلاً منه»، ثمّ قيل إنّ «النصب الجديد سيوضع إلى جوار القديم». هنا، يسأل أحد الصحافيين المتابعين»: «لِمَ لم نسمع بياناً رسميّاً واحداً يريح الناس ويهدّئ من روعهم، سواء من رئاسة الوزراء أو من أمانة بغداد».
لسنا وحدنا، نحن الأحياء الآن من عليه التماسك، بل الضحايا أيضاً. فنحن في بلد الشائعات والمواقع الإلكترونيّة مجهولة المصدر والأهداف، ولربّما بين شهداء «سبايكر» الحاليين من هو ابن أحد الشهداء الذين خلّدهم إسماعيل فتاّح الترك في عمله الكبير والفريد. لذا، علينا احترام دماء الآباء والأبناء معاً من شهداء العراق.