باريس | كل العوامل كانت مجتمعة لتجعل من فوز الأديب والسينمائي الفرنسي إيريك فويار (49 عاماً) بـ «غونكور»، أعرق الجوائز الأدبية الفرنسية، عن كتابه «جدول الأعمال» (آكت سود)، مفاجأة بطعم الفضيحة. الجدل الذي أثاره فوز العمل، الذي يرصد تواطؤ كبار أقطاب الصناعة الألمانية مع النازية، منذ الأشهر الأولى لوصول هتلر إلى الحكم، اتخذ منحى غير مسبوق في تاريخ الجوائز الأدبية.


لم تقتصر الانتقادات الموجهة له على التقليل من قيمته أو الطعن بأهليته لجائزة من مصاف «غونكور» فحسب، بل وصلت الى حد التشكيك في أدبية العمل من أصله!
أول أسباب الجدل أن الأمر يتعلق بكتاب سردي يقف في موقع ملتبس بين التخييل الأدبي والبحث التاريخي. أضف الى ذلك أنه نُشر في مطلع الموسم الصيفي، أي موسم الاعمال الخفيفة الموجهة للاستهلاك الشعبي الواسع، ولم يكن واحداً من «المؤلفات الجادة» التي تتصدر «الدخول الأدبي» وتشق طريقها الى المكتبات، مع مطلع كل خريف، وعادة ما تتنازع أبرز الجوائز الأدبية.
الى ذلك، اعتبر بعضهم أن هوية ناشرة الكتاب كانت تقتضي بدورها استبعاده من معترك الجوائز الأدبية. هذه الناشرة ليست سوى وزيرة الثقافة الحالية فرنسواز نيسن. وهي ابنة مؤسس «آكت سود»، هوبير نيسن. وقد كانت تدير هذه الدار، منذ عام 1987، قبل أن تتنازل عن المنصب لزوجها، جان بيار كابيتاني، إثر تعيينها وزيرة للثقافة، بعد فوز ماكرون بالرئاسة في أيار (مايو) الماضي. أمر دفع صحيفة «ليبراسيون» إلى التساؤل: كيف يمكن، والحال هذه، لوزارة الثقافة أن تصدر بيانها التقليدي الذي يشيد بالعمل الفائز ويهنئ ناشره!؟
حين صدر «جدول الاعمال»، في أيار الماضي، تم تصنيفه من قبل «آكت سود» كـ «سردية تاريخية» لا كرواية. وعندما دخل معترك الجوائز الأدبية، في مطلع أيلول (سبتمبر)، بعدما كانت قد بيعت منه 25 ألف نسخة خلال الموسم الصيفي، احتجت غالبية الأقلام الأدبية التي شاركت في «غداء النقاد» التقليدي، الذي تنظمه سنوياً صحيفة «لو فيغارو»، لإطلاق موسم الجوائز الأدبية، بأنّ هذا الكتاب ليس عملاً أدبياً!
صحيح أن «القطف من حدائق التاريخ»، وفق عبارة أمين معلوف الشهيرة، يشكل تقليداً أدبياً راسخاً في فرنسا. وسبق أن كافأت «غونكور» روايات تاريخية عدة، آخرها «لا بكاء» (2014) المستوحاة من الحرب الأهلية الإسبانية. وقد شكلت جراح الحرب العالمية الثانية، التي استعادها فويار في «جدول الأعمال»، التيمة المركزية للعديد من الاعمال التي خطفت الـ «غونكور»، من «آخر العادلين» (أندريه شوارز- بارت، 1959) إلى «الى اللقاء أعلاه» (بيار لوميتر، 2013)، مروراً بـ «المتسامحات» (جوناثان ليتل، 2006). لكن تلك الاعمال ابتكرت شخصيات روائية خاصة بها، ثم زجت بها في أتون المعترك التاريخي ضد النازية. أما «جدول الأعمال»، فقد اكتفى باستعادة حرفية لوقائع التاريخ، منذ الاجتماع الشهير الذي جمع هتلر برؤساء 24 من كبريات الشركات الصناعية الألمانية، يوم 20 شباط (فبراير) 1933، لإرغامهم على تمويل الحملات الدعائية للرايخ الثالث، لغاية واقعة ضم النمسا، في 12 آذار (مارس) 1938، وهي السابقة التي أطلقت العنان للجنون التوسعي النازي.
هذه الاستعادة الحرفية لوقائع التاريخ، من دون إخضاعها للعدسة المكبرة للتخييل الروائي جعلت عمل فويار أقرب الى العرض التاريخي الأكاديمي منه الى الرواية، مما يفسر طعن بعض النقاد في أدبيته، وتشكيك بعضهم الآخر في أهليته للفوز بالجائزة العريقة. وقد ذكّر أصحاب هذا الرأي بالجدل الذي أثير عام 2014، إثر استبعاد رائعة إيمانويل كارير «المملكة» من سباق الـ «غونكور»، بحجة أنها ليست عملاً روائياً، بل مجرد سردية تاريخية لنشأة الديانة المسيحية!
يذكر أن فويار سبق أن أصدر، في العام الماضي، سردية تاريخية عن الثورة الفرنسية، بعنوان «14 تموز»، حظيت بحفاوة نقدية ورواج شعبي كبيرين. مما أسهم في استقطاب «جدول الأعمال» 25 ألف قارئ، في عز الموسم الصيفي. وقد سبق للكاتب أن أصدر أعمالاً تاريخية عدة، وأخرج فيلمين هما «الرَجل الذي يمشي» (2006) و«ماثيو فالكون» (2008).