انطلقت يوم الأحد الدورة 28 لـ «أيام قرطاج السنيمائيّة» بعرض فيلم «شرش» (ريح الشمال)، وهو أوّل عرض للفيلم في تونس (عُرض سابقاً ضمن «مهرجان السينما المتوسطيّة» في مونبولييه) قبل إطلاقه رسميّاً في القاعات مطلع العام المقبل.


ينتقل المخرج التونسيّ الشاب وليد مطّار في «شرش»، أوّل أفلامه الروائيّة الطويلة، بين ضفتي المتوسط مُسلطاً الضوء على واقع الهشاشة الاقتصاديّة من خلال شخصيّة عاملين، أحدهما فرنسيّ والآخر تونسيّ، مبرزاً تقاطعات وانفصالات عالمي الشمال والجنوب.
تنطلق أحداث الفيلم من فرنسا حيث تُقرّر شركة مختصة في صناعة المنتجات الجلديّة إقفال معملها لتنقله إلى أحد بلدان الجنوب. ففي «الجنوب» تقلّ الضرائب ــ أو تنعدم ــ وكذلك كلفة الإنتاج والمسؤولية الاجتماعيّة تجاه العمال. يبدأ هرفي (فيليب ريبو)، وهو الشخصيّة المحوريّة في الجزء الفرنسي من الفيلم، الذي عمل لثلاثة عقود ونيف في المعمل، رحلته مع العمل الهشّ.
يستقر المعمل في تونس، ويستهلّ داخله فؤاد (محمد أمين الحمزاوي)، الشاب الباحث عن معنى لحياته، مسيرته المهنيّة. هنا تبدأ تقاطعات وانفصالات ضفتي المتوسط في التكشّف. يمارس فؤاد في المعمل دور هرفي السابق، لكنه ينال في المقابل راتباً لا يتجاوز عُشر الدخل الأدنى المضمون في فرنسا، مضافاً إليه غياب الحقوق النقابيّة والتغطية الاجتماعيّة.
يبرُع وليد مطّار في توظيف الكاميرا لتصوير هذه المفارقة. رغم هشاشة وضع هرفي اقتصاديّاً إلا أنّه يبقى في مستطاعه الاحتفال بعيد زواجه في أحد فنادق تونس الفخمة. يحصل اللقاء الوحيد بين الشخصيّتين عندما يفتح فؤاد باب القطار ليجلس على حافته، في رحلة عودته من العمل، فيمرّ بموازاته هرفي في حافلة سياحيّة وهو في طريقه إلى المطار. يتبادل الاثنان نظرات عفويّة، ويفترقان كلّ إلى حال سبيله.
يعني مصطلح «شرش» في معجم البحّارة التونسيّين الرياح القادمة من الشمال، التي يتعذر بوجودها الخروج إلى الصيد. بالمثل، لا تحمل ريح الشمال الرأسماليّة إلى فؤاد «صيداً»، ولا شكّ أن العثور على عمل مستقر بدخل يُخرج المرء من دائرة الفقر هو أثمن صيد في ضواحي تونس المُفقّرة.
يبدأ الشاب الذي انفكّ عنه سحر الثورة، وانغمس في العمل على أمل ترقّيه وظيفيّاً، في التخلي عن إيمانه. يترقّى عامل آخر على حسابه وتهجره حبيبته (عبير بناني) التي تعاني من ظروفه نفسها، لصالح موظف جُمركيّ يُراقب صادرات المعمل، فيتشابك مع مشرفه في العمل ويتركه بلا رجعة. على غرار نظيره التونسي، يجد هرفي، الذي يركن مع ابنه العاطل عن العمل إلى صيد وبيع السمك من دون ترخيص، نفسه في مواجهة مع الأمن والرقابة الصحيّة. وبعد افتكاك قاربه الصغير منه، لا يجد غير اللجوء إلى عمل مؤقت آخر، رفع إشارة توقف في وجه السيارات كلما همّ مترجلون بشقّ الطريق.
لا ينتهي الأمر هنا، يُفعّل فؤاد الحلّ الأخير لفاقدي الأمل الجنوبيّين. يقصد حبيبته السابقة ويطلب منها خدمة تُريحها من مضايقاته لها: إلهاء صديقها الجُمركيّ لبرهة من الزمن خلال العمل. يتم الأمر على ذلك النحو ويصعد الشاب إلى حاوية البضائع فتنطلق رحلته شمالاً. تنتهي الرحلة فيُحدث فؤاد فجوة في سقف الحاوية ويقفز إلى أحد شوارع فرنسا. تُركز الكاميرا على وجه الفتى المبتسم وتترك الأفق مفتوحاً.
يأتي الفيلم في لحظة تجسّد أحداثه واقعيّاً، إذ عادت في هذه الفترة على نحو كثيف ظاهرة الهجرة غير النظاميّة، أو «حرق» الحدود بالتعبير الشعبيّ. وتنجح مقاربته السينمائيّة في إيضاح حدود التشابه بين عالمين مختلفين. يسعى الرأسماليّون إلى مضاعفة أرباحهم على حساب عُمال أوروبا، لكن النتيجة ليست قطعاً في مصلحة عُمال العالم الثالث. بين الشمال والجنوب، تنقلب قاعدة السلّم الطبقيّ. لا يُشبه فقراء أوروبا والغرب بقيّة فقراء العالم، حيث تبقى في نهاية المطاف ظروف الفقير هرفي هدفاً ومسعى للفقير فؤاد.