رحلتان اثنتان خاضتهما في السنوات العشر الأخيرة، الأديبة الروائية املي نصرالله (1931) التي عاندت الهجرة وكتبت بدموعها ضد قسوة الاغتراب التي تسرق منا أعز الأحباب، فكانت أيقونتها «طيور أيلول» الصادرة سنة 1962، وبعدها طُبعت أكثر من 18 مرة...

الرحلة الأولى هي مغادرتها مسكنها الذي ربّت هي وزوجها فيليب عائلتهما، وفيه احترقت مكتبتها ومخطوطاتها، وعاشت فيه نحو أربعين عاماً، بعدما طوقه المربع الأمني لحماية رئيس مجلس النواب نبيه بري في عين التينة، «فاستحال العيش هناك». والرحلة الثانية على درب الجلجلة في معاندة السرطان الذي فتك بجسدها النحيل منذ نحو سنتين.
في شقة تطل على البحر من شارع المحكول، تقرأ الدعوة لتكريمها المقرر في 30 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، في «جمعية التخصص والتوجيه العلمي» في بيروت، بدعوة من «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي» و«المنبر الثقافي لجمعية التخصص والتوجيه العلمي» و«جمعية بيت المصور» في لبنان و«جمعية تقدم المرأة» في النبطية و«مؤسسة نجوى القلعاني».

تعلّق: «ماذا فعلت لاستحق التكريم، أنا فلاحة ابنة فلاحين، وما كتبته كان ينبع من احساسي مرة في معاندة الهجرة التي سلبت مني اخوتي وأعز شباب القرية (الكفير- حاصبيا)، ومرات للاطفال لأبعدهم عن أجواء الحرب بالكلمة العذبة والمواقف الشجاعة». لكن ألمانيا كرمتك ومنحتك الوسام الفخري للشاعر غوته منذ أشهر (28 آب 2017)؟ ترد: «أنا شعرت بأن المانيا كرمت لبنان، هذا البلد الصغير الذي يستحق كل تكريم. ولذلك، عاندت ما أعانيه من آلام وضعف في الهمّة وذهبت إلى هناك بعدما سهلت الحكومة الألمانية كل وسائل سفري، وسمحت لأبنائي وعائلتي بمرافقتي».
تقدّم «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي» و«جمعية بيت المصور» و«مؤسسة نجوى القلعاني» بطلب إلى دائرة الأوسمة في رئاسة الجمهورية لمنحها الوسام الذي تستحق، وكان الرد سريعاً «رئيس الجمهورية العماد ميشال عون يكنّ للكاتبة املي نصرالله كل تقدير ومحبة، ولذلك وقّع قرار منحها وسام الأرز الوطني من رتبة كومندور». كان يفترض أن يعلّق رئيس الجمهورية الوسام على صدر الروائية قبل اسبوعين، وقد ابدت كل استعداد لتحدّي حالتها والانتقال إلى القصر الجمهوري لمقابلة الرئيس عون، بيد أن الأحداث السياسية التي تسارعت أخيراً حالت دون تنفيذ الأمر. وعنه تقول نصرالله: «والله لقد اغرقتموني بهذا الكرم، وماذا فعلت كي استحق الوسام؟ إن قلبي يرتجف عندما أفكر بالأمر».
يتخلل تكريم نصرالله في «جمعية التخصص» توزيع ثلاث بطاقات بريدية من إعداد «جمعية بيت المصور» و«المجلس الثقافي» و«معرض خليل برجاوي لطوابع البريد»، تحمل إحداها رسماً للأديبة التي دافعت عن حقوق المرأة، مرسومة بريشة الفنانة خولة الطفيلي، وأخرى لغلاف كتابها الأول «طيور أيلول» والثالثة بالأسود والأبيض في منزلها تقرأ وتكتب. وعلى هذه البطاقات نبذة عنها باللغتين العربية والإنكليزية. وسيتحدث خلال التكريم الإعلامي طلال سلمان وواصف شرارة وشفيق البقاعي والشاعرة نجوى القلعاني، وتقدمهم المحامية وداد يونس (عضو الهيئة الإدارية للمجلس الثقافي).
نشرت صاحبة «الطاحونة الضائعة» نحو 50 كتاباً بين رواية وقصة تناولت قضايا الهجرة والأرض والمرأة وحقوقها، إلى جانب كتب للأطفال أشهرها «يوميات هرّ» وصفت من خلاله الحياة اليومية اثناء الحرب في بيروت المحاصرة من نظرة الهر. ورغم تدمير منزلها ومقتنياتها نتيجة القصف خلال الحرب الأهلية اللبنانية، رفضت إملي نصرالله المنفى. وقد ترجمت بعض كتبها إلى نحو ثماني لغات عالمية.