لا تحتاج سميرة توفيق (الصورة) إلى الكثير من الكلام المتناسق والمزخرف كي يُعبّر عن تاريخها الفني الطويل. يكفي ذكر اسمها، لتعصف في الذاكرة مجموعة من الأغاني البدوية التي تلاحقنا كيفما اتجهنا. أوّل من أمس، أحبّت بلدية الحازمية (محافظة جبل لبنان)، حيث تسكن الفنانة، أن تكرّمها. لكن سميرة اختارت أنّ تكون تلك المناسبة بين أحبابها وفي منزلها. بين العصر والمغرب، استقبلت نجمة «فارس ونجود» الصحافة بكل رحابة صدر، ولم تتذمّر من الإعلاميين الذين استغلّوا المناسبة وتجمّعوا حولها، أو من حرارة الطقس المرتفعة وانقطاع التيار الكهربائي، إلى درجة أنّ أحد أهل الإعلام همس بأنّ مغنيات اليوم (لا مجال للمقارنة هنا) لا يتحمّلن حماسة الصحافيين، وعلى «فنانة البادية الأولى» أن تلقنهن دروساً في كيفية التعامل مع الإعلام، والتحلّي بالصبر. بكت سميرة بكل طيبة أثناء تسلّمها الدرع التكريمية ومعرفتها بأن شارعاً في الحازمية سيحمل اسمها. وبدا الخجل واضحاً عليها، فيما طلبت من عائلتها أن تدفنها في الحازمية حين تأتي ساعة رحيلها.


في كل زاوية في منزل سميرة توفيق، أرشيف غنيّ بصورها، من الطفولة إلى اليوم. صور زيّنت الجدران وتحوّلت إلى لوحات فنية يمكنها وحدها سرقة الأنظار، فينسى الزائر أسباب وجوده في المكان. صحيح أنّ بعض الصور بالأبيض والأسود متوافر على مواقع التواصل الاجتماعي وغوغل، إلا أنّه عند النظر إليها مباشرة، تبدو مزيّنة بروح سميرة الفرحة. أرشيف قائم بحدّ ذاته يمكن الرجوع إليه وكتابة موضوعات عن كل صورة على حدة، وعن المناسبة التي التقطت فيها. لم تفتقد سميرة لأيّ وجود سياسيّ أو فنيّ غاب عن تكريمها، بل كان همّها الوحيد أن يكون الحضور ــ الخجول ــ مرتاحاً في منزلها فحسب.
وفي حديث إلى «الأخبار»، تقول الفنانة المكرّمة: «لست حزينة لغياب الفنانين أو عاتبة على الدولة لتقصيرها، لأنّ تكريمي اليوم يساوي مليون تكريم». أما عن الفنانة التي تفوّضها لتقدّم عملاً عن مسيرتها الفنية والاجتماعية، فتجيب «لا يوجد أيّ فنانة أوكلها بتلك المهمّة، لكن أتمنى أن تأتي فنانة تؤدي لوني الغنائي. لا أقول إنّه لا يوجد وريث لي، لأنّ الحياة تستمرّ والدنيا لا تتوقف عند شخص أو فنان». وتكشف صاحبة أغنية «أسمر يا حلو» أنّه عُرض عليها أخيراً كتابة مسيرتها الفنية، على أن تكشف عن قرارها قريباً. أما عن رأيها بالوضع الفني اليوم، فتكتفي بالقول: «كتّر خير الفنانين الذين يقدّمون أعمالاً فنية في ظلّ هذه الغيمة السوداء التي تمرّ فوق الدول العربية».
إذاً، تكريم بلدية الحازمية ليس كافياً لإيفاء الفنانة المعتزلة حقّها، لكنّه لفتة جميلة أعادت إلى الشاشة صورة امرأة سبقت عصرها بجمالها الشرقي وخامة صوتها الفريدة.