طعم الدبس في المنطقة الحدودية الجنوبية ليس مراً «مثل قرن الخروب». فأياد ناعمة تحيل الثمرة السوداء إلى دبس ليس حلو المذاق فقط، بل حائز على معايير السلامة الغذائية. في عين إبل الحدودية (قضاء بنت جبيل)، تولت 11 سيدة ـــ منذ ما بعد تحرير الجنوب ـــ عصر الخروب في إطار «الجمعية التعاونية الزراعية للإنتاج والتصنيع الغذائي في عين إبل».


الجمعية التي تدار بشكل جماعي، تنفرد بامتلاك معصرة للدبس في المنطقة، جعلتها مركزاً معتمداً للمزارعين والبلديات والجمعيات الذين انخرطوا في زراعة الخروب في الحقول وعلى مداخل القرى بهدف التجميل من جهة، والاستثمار الاقتصادي من جهة أخرى. تقول المشرفة على الجمعية تمام مارون إنّ «نسوية التعاونية شكلت ضمانة لكثيرين للتعاون معنا. النساء مكفولات بالنظافة وجودة المنتج والتفاني في العمل وعدم الغش واستغلال الأسعار».
حالياً، تحتفل سيدات الخروب بانتهاء الموسم. كما في كل عام، يوازي فرح الجني التعب الذي بذلنه. بحسب عضو الجمعية سوزي فرح، فإن المنطلق كان مع برنامج تدريب مهني للنساء نفذته «جمعية الشبان المسيحية» في المنطقة المحررة. السيدات الـ 11 وصلن إلى التصفيات. بفضل مثابرتهن، تأسست «الجمعية التعاونية» عام 2002 بنسخة مشابهة لعشرات التعاونيات التي تأسست في الوقت ذاته في المنطقة: صناعة المربيات والمونة البلدية. لكن «جمعية الشبان» اقترحت عليهن التميز بدبس الخروب. حينذاك، لم يكن الخروب معروفاً في المنطقة إلا في بلدة علما الشعب القريبة من البحر وفق روز حصروني (73 عاماً). حتى إن طريقة تحضيره كانت تقتصر على دقه ونقعه في الماء. وبعد ذوبانه في الماء، يستخدم السائل في صناعة الحلويات.
الدبس في عين إبل كان دبس التين. البلدة كانت مشهورة بتحضير البسكويت المحشو بالتمر وقد أعادت الجمعية إحياءه والترويج له كماركة «عينبلية» مسجلة. البسكويت طوّر ليستبدل السكر بالدبس.
بإمكانيات محدودة مدعومة من «جمعية الشبان»، تأسست المعصرة في بيت صغير قدمته «مدرسة مار يوسف للآباء اليسوعيين» في البلدة. كانت النسوة يحملن أكياس الخروب إلى المعصرة. يفصلن القشور عن البذور في ثمرة الخروب. يغسلن القشور ثم يكبسنها في مكبس تقليدي يدوي. يوضع المزيج في طنجرة ضخمة، يحرك بالأيدي فوق موقدة تشعل بالمازوت والحطب. طوال ساعات، كنّ يتحمّلن حرارة القدر المرتفعة. وبعد، تفيض «الطبخة» إلى خارج القدر ولا يتبقى منها سوى القليل! «جمعية الشبان» زودتهن بقدر يحتوي على خفاقات داخلية تقلب المزيج على نحو تلقائي. أما برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فزودهن بشفاطات هواء وآلة لفصل القشور عن البذور وقدرة إضافية (...).
كسبت السيدات الرهان على الاستمرارية. تقر تريز عتمة (71 عاماً) بأن التعاونية غيرت حياتهن. المردود المادي ليس عالياً. الأهم أن مروحة التواصل والحركة لم تعد محدودة. تمددت شبكة علاقاتهن في المنطقة من جهة، وبالتعاونيات من لبنان والعالم من جهة أخرى عندما يجتمعن في معرض محلي أو خارج لبنان. السيدات الأصغر سناً، يدركن قيمة إضافية للعمل في التعاونية. تؤكد مارون أن معظم السيدات كن سيضطررن للنزوح إلى بيروت أو الهجرة بسبب ضيق سبل العيش في المنطقة التي تضررت مواردها الطبيعية بسبب عدوان تموز 2006. تضيف مارون «11 بيتاً أنقذ من الإقفال والهجر».
صيت الخروب الجنوبي وصل إلى قطاع تصنيع الأدوية في إيطاليا. شركة متخصصة تشتري بذور الخروب لاستخدامها في صناعة الأدوية، فيما جمعية إيطالية تجري أبحاثاً للإفادة من بقايا الخروب لاستخدامه كمقوٍّ زراعي (كومبوست) بدلاً من رميه.