القاهرة | يرحل صلاح عيسى (1939 ــ 2017/ الصورة)، أحد «أسطوات» مهنة الصحافة في مصر، بعد صراع مع المرض، وقبل ساعات قليلة من وداع عام «الغياب» الذي رحلت خلاله عشرات الأسماء من المفكرين والمبدعين. جاء صلاح عيسى إلى العالم لكي يعترض، جملة مكسيم جوركي الشهيرة التي كان يعلّقها خلف مكتبة.


اعترض عيسي ودفع ثمن اعتراضه ومشاغباته سنوات من السجن، والتهميش، ولكنّه حظي بموقع بارز لدى أجيال كثيرة ثمّنت كتاباته التي سعى فيها إلى استنطاق التاريخ، ووثائقه، مع قدرة على تقديم ذلك عبر أسلوب رشيق، ولغة تجمع بين البساطة والعمق، والسخرية والوجع، والسلاسة والدقة، وسرد مُحكم ومُدهش في الوقت نفسه!
كتب عن «فلسطين الأرض والمقاومة»، و«ريا وسكينة»، و«الثورة العرابية»، و«العنف السياسي فى مصر»، و«حكايات من دفتر الوطن»، و«شاعر تكدير الأمن العام: أحمد فؤاد نجم». كتابات تبحث في معظمها عن المجهول والمنسي داخل التاريخ، أو شخصيات علاها الصدأ يعيد تقديمها، أو حوادث أهملها التاريخ الرسمي، يبحث عن لآلئ وسط الأحجار!
كل المعادن النفيسة لها عمر افتراضي، يُصيبها التعب بعده. أعلن عيسى تقاعده عن المشاغبة، أو كما قال «غيّر وسائله للنضال»، إذ بعد سنوات في داخل السلطة، ظلّ يناضل من خارجها. بين كتابيه «مثقفون وعسكر» و«شخصيات لها العجب» مسافة كبيرة، ونقيضة. هذه المسافة هي رحلة عيسى مع التحوّلات. تكشف الفرق الشاسع بين صلاح عيسى في السبعينيات والثمانينيات، وصلاح عيسى الآخر. إنّها تلك المسافة بين إلقاء القبض عليه بتهمة «مناهضة وزارة الثقافة» بعد المشاركة في تظاهرة ضد مشاركة «إسرائيل» في معرض الكتاب، والنوم في حظيرة الوزارة نفسها بعد ثلاثين عاماً صديقاً مقرّباً من وزيرها وقتها فاروق حسني ومبرراً لأخطائه!
في «مثقفون وعسكر»، كتب عيسى عن أنماط من المثقفين يفهمون الثقافة على أنّها «لسان ذرب، وقلم سيال، وعقل يملك مهارة الاحتيال على الحق ليصبح باطلاً، وعلى الأسود ليجعله أبيض، يلعبون بالأفكار ويضحكون على الذقون، ويسربلون الأغراض الدنيئة بأنبل الشعارات»... «مثقفون يتملكهم رعب السقوط إلى القاع الذي صعدوا منه، وتصطك أوصالهم وأسنانهم فرقاً من أعباء الانتماء إلى الفقراء الذين كانوا منهم يوماً، ورعباً من السجون والفصل والتجميد، فيتطوّعون لتبرير كل ما يفعله السادة، ويقنعون أنفسهم بأنّ الثقافة حرفة كالحدادة والسباكة والنجارة». لكنه في «شخصيات لها العجب»، يقدّم ما يشبه استقالة مبطّنة، اعتذر فيها عمّا كتبه في الماضي، وظنّ أنّه «خيانة المثقفين لمبادئهم، لأنّ حماسة الشباب كثيراً ما تعمي البصر»، كما قال. هكذا، نجده يكتب، بنظرة جديدة، عمن ظنّهم في السابق «مشاغبين متقاعدين»... فهم لم يتقاعدوا، بل غيّروا وسائل النضال فقط.
وقد نعت مؤسسات الدولة ومعارضتها عيسى، إذ أشار «المجلس الأعلى للإعلام» و«هيئة الاستعلامات» و«الهيئة الوطنية للصحافة» و«نقابة الصحافيين» إلى إسهاماته الوطنية التي «أثرت في الحياة السياسية، حيث كان نقابياً مدافعاً عن حرية الصحافة». وقالت «لجنة الدفاع عن استقلال الصحافة» في بيان إنّه برحيل الكاتب عيسى، «تكون الجماعة الصحافية، قد فقدت واحداً من أهم وأبرز المدافعين عن المهنة خلال عقود مضت». يذكر أن الراحل من مواليد 14 تشرين الأوّل (أكتوبر) 1939 في إحدى قرى مركز ميت غمر في محافظة الدقهلية، وعمل في «جريدة الجمهورية» في أوائل السبعينيات من القرن الماضي، كذلك شارك فى تأسيس وإدارة عدد من الصحف والمجلات، منها «الكتاب»، و«الثقافة الوطنية»، و«الأهالي»، و«اليسار»، و«القاهرة». يذكر أنّ الراحل ووري الثرى في مقابر العائلة على طريق الواحات البحرية، على أن تُقام مراسم العزاء يوم السبت المقبل فى «مسجد عمر مكرم» في القاهرة.