في أيام الشتاء، تستمر ورش إزالة الثلوج التي تقطع طرق شبعا باتجاه سفوح جبل الشيخ. يسود الظن بأنّ تلك الطرق تقود حصراً إلى حقول زراعية ومواقع للجيش اللبناني وقوات اليونيفيل المتمركزة في الأراضي المحررة عند حدود مزارع شبعا المحتلة. إلا أنّه في الأطراف النائية المقفرة شتاء، يقيم قاسم زهرة وأسرته بشكل دائم. في مزرعة بسطرة المحرّرة، ولد زهرة في عام 1960 حيث سكنت عائلته منذ ما يزيد عن قرن.


جدّه الذي عاش لـ110 سنوات، له في كل حجر وحبة تراب أثر منذ ولادته. بيت زهرة ليس ككل البيوت، نظراً لإقامته وحيداً عند سفح الجبل المطل على سهل المجيدية غرباً وسهل الحولة الفلسطيني جنوباً والجولان المحتل شرقاً. غرفتان رصفت حجارتها فوق بعضها البعض، تخال بأنّ الريح القوية قد تهدمها. لكن عوامل الطقس القاسية لم تقدر على الغرفتين اللتين تجاورهما من ناحية بقايا آثار، ينقل زهرة عن الجدود أنّها رومانية، ومن ناحية آخرى حظيرة المواشي التي يعتاش منها. تربية المواشي مهنة ورثها عن أجداده. كان يزامله 12 راعياً في بسطرة حتى عام 1992، عندما جرف الاحتلال الإسرائيلي المراعي وحقول القمح والحبوب والأشجار المثمرة والزيتون وهجّرهم. بعضهم نزح إلى مزرعة حلتا في خراج كفر شوبا، وآخرون إلى سهل الناقورة. غير أنّ زهرة رفض الرحيل رغم المضايقات شبه اليومية التي يتعرّض لها من العدو المرابض في موقعي رمثا وزبدين. قنص ومحاولات خطف واعتداء على المواشي. يصمد زهرة على العدوان المستمر برغم التحرير. يرفض تكرار تجربة التهجير التي عاشها قسرياً إثر نكسة عام 1967، عندما احتلت اسرائيل الجولان. حينها، نزح مع عائلته إلى شبعا قبل أن يعودوا سريعاً.
«المعيشة هنا آخر رواق»، تقول نهاد عوّاد (الصورة)، زوجة زهرة. ابنة شبعا جاءت عروساً إلى بسطرة حيث أنجبت أولادها الذين انتقلوا بالزواج للعيش في شبعا، ولم يبق منهم سوى شابين يقيمان مع والديهما ويساعدان في تربية المواشي. اعتادت عوّاد على طابع المعيشة في «آخر ما عمّر الله». لا أقرباء ولا جيران، إنما «المهم أننا نعيش في أرضنا». حتى أنّ الوصول إلى شبعا يستلزم ساعة من الوقت عن طريق وادي المغر مروراً بكفر شوبا. قبل أن تقوم قوات اليونيفيل بتعبيدها، كانوا يجتازونها بواسطة البغال والحمير. تتحضّر العائلة جيّداً قبل حصار الشتاء. يموّنون حاجياتهم، منها مياه الشرب، من شبعا حيث يبيعون إنتاج مواشيهم من الألبان والأجبان. أما في تدبير شؤون المنزل، فتتبع سيدة بسطرة العادات التقليدية. طهو الطعام وغسل الثياب على موقدة الحطب. موقع الجيش القريب يزوّدهم بالكهرباء، فيما يقتني أفراد العائلة هواتف خلوية. وهنا يفاخر زهرة بأن «الإرسال جيد». أما الطبيب البيطري في الوحدة الهندية في اليونيفيل، فيزورهم أسبوعياً لمعاينة مواشيهم وعلاجها.
«معظم الناس تنسى أنّنا موجودن»، يقول زهرة. لكنّه يعتز بأنّه «خط الدفاع عن مزارع شبعا». ذاكرته ضمانة لحفظ الحق اللبناني في المزارع المحتلة (خلة غزالة ومزرعة قفوة وزبدين ورمثا والسماقة ورويسات العلم وفشكول وكفر دورة وبرختا وبيت البريق ومراحل الملول والقرن) التي يفصلها وادي العسل عن مجدل شمس الجولان وجبل العاصي عن بحيرة طبريا. تحفظ ذاكرته بيوتاً وحقولاً لعائلات لبنانية تقع حالياً داخل الخط الأزرق. فضلاً عن مدرسة في قفوة كان يفد إليها الطلاب من فشكول، ومقام النبي إبراهيم الواقع خلف مزرعة جبل الرمثا. لم يترك العدو أثراً للناس والحقول والمدرسة، فيما احتل المقام. لكن التاريخ ترك آثاراً لسبع آبار مياه يعتقد أنها رومانية. بجوار منزل زهرة، بقايا حجارة ضخمة قال أجداده إنّ «الله زلزل الأرض بقوم كفار كانوا يعيشون فيها».