يوم الخميس الماضي، أصدر وزير «الأمن الداخلي الإسرائيلي»، جلعاد أردان، قراراً بإغلاق وتمديد إغلاق عدد من المؤسسات الفلسطينية في القدس المحتلة، من بينها «بيت الشرق». وعزا هذا القرار إلى قانون إسرائيلي صدر عام 1994، «يحظر فيه على السلطات الفلسطينية فتح م


كاتب تمثيل لها أو ممارسة نشاطات داخل مناطق إسرائيلية».
قرار تمديد إقفال «بيت الشرق»، أتى بعد إغلاقه في آب (أغسطس) عام 2001 ومصادرته نهائياً، ورفع العلم الصهيوني على سقفه، إلى جانب تسع مؤسسات فلسطينية أخرى، كردّ انتقامي وقتها على عملية قادها استشهادي فلسطيني أسفرت عن مقتل 15 إسرائيلياً.
هذا الوضع يحيلنا إلى عملية النهب للذاكرة الفلسطينية ولتاريخها ووثائقها من قبل الاحتلال الصهيوني. إذ يعدّ «بيت الشرق» الذي تأسّس عام 1897 على يد مفتي القدس إسماعيل موسى الحسيني، من أهم أماكن المحفوظات، لا سيّما في ما يتعلق بوقائع وشهادات تخصّ أصحاب الأرض، كما أنّه كان مقصداً لزوّار القدس والشخصيات السياسية. البيت الذي جرى بناؤه وفق تخطيط أوروبي، بالحجر المقدسي الصقيل، يتألف من ثلاث طبقات، وشهد عام 1898 احتفال استقبال كبير للامبراطور الألماني وليام الثاني، أثناء زيارته للقدس، وأقيمت فيه في أوائل ثلاثينيات القرن الماضي مراسم عزاء الشريف حسين، الذي دُفن وقتها في الأقصى. لا شك في أن الفلسطيني الراحل، فيصل الحسيني، الذي أدار «بيت الشرق» لسنوات، لعب دوراً مهماً في معركة الدفاع عن القدس المحتلة، وحرص على إنشاء مؤسسات ثقافية تعمل على الحفاظ على الهوية العربية، من ضمنها «جمعية الدراسات العربية»، المتخصصة في إعداد الأبحاث التربوية والاجتماعية والاقتصادية. وفي عام 1988، أُغلق مقرّ الجمعية والمؤسسات التابعة لها على يد الاحتلال، تحت ذرائع أمنية. أمر تكرّر مراراً، خصوصاً مع سنوات الانتفاضة الأولى، إذ اعتُقل الحسيني لمدّة عامين إلى حين وفاته، فضلاً عن تقاعس السلطة الفلسطينية عن تعيين خلف له، ما أسهم في استمرار إغلاق «بيت الشرق». في مرور سريع على أهمية «بيت الشرق»، وتعمّد الصهاينة إغلاقه لمرّات عدّة، نشرت «مجلة الدراسات الفلسطينية» في عدد يعود إلى عام 2002 بعض محتويات هذا المكان العريق، إذ صودرت عبر أعمال القرصنة الصهيونية وثائق بحث لا تعوّض وتندرج ضمن المقتنيات الثمينة، إضافة إلى أخرى شخصية ومعلومات سرية تتعلق بقضية القدس، ومستندات ترجع إلى «مؤتمر مدريد» (1991)، وأرشيف يحتوي على وثائق كثيرة وملفات، «تعتبر مكمّلة لاستراتيجيات التنمية المستقبلية للقدس الشرقية». حتى إنّ مكتب الحسيني أفرغ بالكامل أيضاً.
ولعلّ أهم ما في ملف «الدراسات الفلسطينية»، إلقاء الضوء على عمليات النهب الإسرائيلية الممنهجة، أبرزها مجموعة صور فوتوغرافية لجمعية «الدراسات العربية» تمثّل سجلاً «فريداً» للعلاقات الإثنوغرافية بين سكان القدس في القرنين التاسع عشر والعشرين. واستعادت المجلة الفصلية أبرز تواريخ مصادرة «إسرائيل» لسجلات الذاكرة المقدسية والفلسطينية، أبرزها عام 1982 حين استحوذت قوات الاحتلال على أرشيف مركز الأبحاث التابع لـ «منظمة التحرير الفلسطينية» المؤلّف من 25 ألف مجلّد باللغات العربية، والعبرية، والإنكليزية، قبل أن تعيده بعد عام واحد، باستثناء مجموعة أفلام نقلت لاحقاً إلى قبرص.