إذا جردنا الحفلات الموسيقية التي يحييها أجانب في لبنان بين منتصف التسعينيات واليوم، نلاحظ أنّ عدداً كبيراً منهم يكرّر الزيارة، لثلاثة أسباب أساسية، بما أنّنا لسنا من البلدان «الكبيرة» التي يمر عليها الفنانون بشكل منهجي في كل جولة يقومون بها (مثل فرنسا، بريطانيا، ألمانيا…).


السبب الأوّل يتعلق بالعلاقة التي تنشأ بين المنظمين والضيف على أثر الزيارة الأولى، ما يسهّل عملية تنظيم حفلة ثانية إن توفرت النية لدى الطرفَين. الثاني، يتعلّق بالصورة المشوّهة التي يرسمها الإعلام الغربي عن الوضع الأمني في لبنان. صحيح أنّه هشّ، لكنّ المجتمع الغربي يعتقد أنّنا منكوبون. لذا، عندما «يجازف» فنان بسفرة أولى، يرى أنّ تكرارها ممكن، ويكفي أن يسبق الخطوة تطمين صادق من طرف لبناني. أما السبب الثالث، فله علاقة بالجمهور. معظم الفنانين يتكلمون الفرنسية و/أو الإنكليزية، ونحن نتباهى بتعدد لغاتنا، وهذا يريح الضيف، بالأخص إن كان من النوع الذي يحبّ التفاعل مع الحضور.
من جهتنا، لدينا استراتيجية لتناول الفنانين الذين يكرّرون زياراتهم. الزيارة الأولى تستحق إضاءة خاصة. الثانية، لا… إلا في حال كانت استثنائية لناحية شكل العرض واختلافه عن سابقه أو في حال فَصَلَ بين الزيارتَين فارق زمني كبير، وهذا يشترط (بالنسبة إلى الإضاءة الثانية) أن يكون الفنان من الذين نتحمّس للترويج لتجربتهم. بينما الإضاءة الأولى تكون ترحيبية بالضيف وتعريفية للجمهور، حتى لو انعدمت حماستنا تجاه بعض التيارات.
إحدى أكثر الجهات التي تكرر دعوة فنانين هي «ليبان جاز». قد لا نطبّق القاعدة الآنفة عليه، ولكن ليس من دون امتعاض أحياناً. فبعض الفنانين ممن يدعوهم المهرجان لا يستحقون حتى تغطية أولى، فكيف بثانية وثالثة… وبيت القصيد، هنا، أنّ ذلك لا ينطبق أبداً على المغنية الأميركية ــ الفرنسية تشاينا موزس (1978 ــ الصورة) التي تعود عن طريق «ليبان جاز» إلى بيروت، بعد سنوات عدّة من زيارة أولى (حزيران/ يونيو 2011) أتت ضمن جولة ألبومها الجميل This One is for Dinah. فهذه الفنانة تستحق الإضاءة، في كل مرة، على تجربتها عموماً (اتجاهها، أنماطها، تاريخها…) كما على عناصر هذه التجربة من صوت وأداء ومرافقة موسيقية وأفكار جديدة في مجال الغناء الأسود.
تشاينا موزس هي ابنة المغنية المخضرمة دي دي بريدجووتر. تأخرت في دخول عالم الغناء، وتأخرت أكثر في تحديد وجهتها الفنية النهائية. برزت بدايةً كوجه من وجوه الشاشة الصغيرة، إذ عملت كمُعِدّة برامج في محطة MTV (الأجنبية)، قبل أن تنتقل إلى غناء الهيب ــ هوب والروك وتصدر بعض التسجيلات. بعد هذه التجربة، خلعت تشينا ثوبها الفني الأوّل ولبست عباءة الجاز والبلوز، فأصدرت ألبوماً في هذا السياق مطلع عام 2009 وكان بمثابة تحية للمأسوف على شبابها، الأسطورة دَينا واشنطن (1924 ــ 1963). إنه This One is for Dinah الذي حوى مجموعة من العناوين التي اشتهرت بها الديفا الراحلة، بالإضافة إلى أغنيتَين خاصّتَين واضحتَي الهدف: تدعيم التحية؛ حملت الأولى عنوان Dinah’s Blues والثانية Gardenias For Dinah. بالمناسبة، لا يبدو هذا الألبوم تحية عابرة للمغنية الراحلة، إذ تكرَّر حضورها، ولو جزئياً، في أعمال تشاينا اللاحقة. هذا العشق يشبه عشق أمها لإيلّا فيتزجيرالد، مع فارق أن قدرات صوت بريدجووتر تسمح لها بإحياء إرث إيلّا، الذي يقوم بشكل أساسي على الارتجال الصوتي (scatting). لكن ذلك لا يلغي حقيقة أنّ تشاينا لا تتعدّى على الكار، ولا على كلاسيكيات الديفا التي تعشقها. فهي مغنية تحسن الأداء الحساس والمعبِّر واللعوب، وتعطي الكلاسيكيات حقها، بالإضافة إلى العمل على توليف يليق بأعمال خالدة، وهذا ما تولاه في الألبوم المذكور عازف البيانو الفرنسي المحترم وصاحب الذائقة الرفيعة رافييل لومونييه.
عام 2012 أصدرت تشينا ــ أيضاً مع لومونييه ــ ألبوم Crazy Blues. إنها أيضاً تحيةً إلى الماضي، لكن اتسعت مروحتها لأكثر من رمزٍ من كبار المغنيين في مجال البلوز والسول (نينا سيمون، بيغي لي، مامي سميث، دَينا واشنطن، مادي ووترز، دونا صامِر…)، إذ شمل استعادة لأغنيات، إما بالأساس لهؤلاء أو اشتهروا بأدائها. منذ بضعة أشهر، فاجأت موزس الجمهور بألبوم مختلف كليّاً، شكلاً ومضموناً، إذ أتى أولاً شديد التنوّع، باشتماله على الجاز والبالاد (الجاز الهادئ)، والـ «آر أند بي» (الأصلي، إذا صح التعبير، بخلاف الحديث الاستهلاكي)، والسول، والفانك، والبوب الهادئ، والسول ــ بوب. ثانياً، كل هذا التنويع النمطي لم يستعِن بإرث الماضي، إذ حوى الألبوم الجديد، الذي حمل عنوان Nightintales، باقة من الأغنيات الخاصة الجديدة. أما التوزيع، فاختلف باختلاف النمط بين أغنية وأخرى، لكنه حافظ على مستوى مرموق في كل الحالات، انطلاقاً من الأساس (بيانو/ كونترباص/ درامز) وصولاً إلى الإضافات (نحاسيات ونادراً وتريات). الاختلاف الثالث، طال الفرقة الموسيقية أو العنصر الأساسي فيها، أي رفاييل لومينييه، إذ عملت تشيانا في هذا الألبوم مع فرقة جديدة تضم لوك سميث (بيانو)، ونيفيل مالكولم (كونترباص)، وجيروم براون (درامز). كما في أمسيتها الأولى في بيروت، كذلك غداً الثلاثاء، قد تُقتصر المرافقة على الثلاثي المذكور… أما حضور الحد الأدنى من النحاسيات فسيكون مرحباً به وسيعطي الأمسية بعداً ضرورياً لمتعة أكبر، بالأخص في بعض أغنيات الألبوم الجديد.

حفلة تشاينا موزس: غداً الثلاثاء ــ الساعة التاسعة مساءً ــ «ميوزيكهول» (ستاركو ــ وسط بيروت). للاستعلام: 01/361236 أو 01/999666