كان | في ذكرى مرور عشر سنوات على رحيله، احتفى «مهرجان كان» بالسينمائي العربي الكبير يوسف شاهين، من خلال احتفال تكريمي، تلاه عرض في الهواء الطلق، على شاطئ الكروازيت، لنسخة مرمّمة رقمياً (وفق تقنية 4K) من رائعته «المصير». هذا التكريم جاء بعد 21 سنة من عرض «المصير» في المسابقة الرسمية، عام 1997، وحصول المعلم الإسكندراني، آنذاك، على «سعفة الذكرى الخمسينية لمهرجان كان» عن مجمل أعماله.

خلافا لما كتبناه في مقالة سابقة (الأخبار 11/5/2018) لم يكن «المصير» آخر فيلم مصري دخل سباق «السعفة الذهبية»، إذ سبق لأحد متخرجي المدرسة الشاهينية، يسري نصر الله، أن دخل المسابقة الرسمية، عام 2012، بفيلمه «بعد الموقعة». لكن تلك المشاركة، التي اندرجت وقتئذ في سياق الاحتفاء بالثورة المصرية، جاءت مخيبة، بحيث لم تستطع أن تمحو اللحظات السحرية التي وقف فيها جمهور الكروازيت للتصفيق طويلاً لرائعة «المصير»، ما جعل منها المحطة العربية الفارقة والأكثر رسوخاً في ذاكرة «كان»، منذ «السعفة» العربية اليتيمة للجزائري محمد لخضر حامينا (وقائع سنوات الجمر – 1975).
من خلال هذا التكريم، الذي حضره عدد بارز من السينمائيين والنقاد، في مقدمهم حاملة لواء الإرث الشاهيني، المنتجة ماريان خوري، وبطلة «المصير»، النجمة ليلى علوي، استعادت الكروازيت ذكرى صاحب «إسكندرية ليه» الذي حط الرحال في «كان»، للمرة الأولى، عام 1951، بعمله الثاني «ابن النيل». ثم توالت وتعددت مشاركاته، من خلال عشرة أفلام عُرضت في مختلف فعاليات المهرجان، آخرها «إسكندرية - نيويورك»، الذي قُدم في افتتاح تظاهرة «نظرة ما»، عام 2004. يضاف الى ذلك العدد القياسي من المشاركات، التي جعلت يوسف شاهين السينمائي العالمثالثي الأكثر حضوراً في «كان»، إطلالته الأخيرة، عام 2007، من خلال الفيلم الجماعي «لكل واحد سينماه»، الذي أُنجز خصيصاً للذكرى الستين لمهرجان «كان»، بمشاركة 35 مخرجاً من مختلف الجنسيات.
هذا الحضور الشاهيني واكب عودة قوية للسينما العربية، هذه السنة، الى واجهة الكروازيت. بعد الفيلم المصري «يوم الدين» للمخرج أبو بكر شوقي، الذي شكل الى جانب الفيلم الروسي «صيف»، للمخرج كيريل سيريبرينيكوف، المفاجأة الأبرز في أفلام الأسبوع الأول ضمن سباق «السعفة الذهبية»، تألقت السينما العربية مجدداً في تظاهرة «أسبوعي المخرجين» التي احتلت السينما التونسية موقع الصدارة منها. بعد برنامج «محترف الأفلام»، الذي خُصّص لموطن بورقيبة، وقدّم أربعة أفلام قصيرة لمخرجين/ات ناشئين/ات (مريم فرجاني، أنيسة داود، إسماعيل، رفيق عمراني)، حمل برنامج الأفلام الروائية الطويلة مفاجأة سارة تمثلت في فيلم «ولدي» لمحمد بن عطية.
المخرج التونسي الأربعيني (مواليد 1976) بدأ مشواره السينمائي متأخراً. عام 2013، اكتشفه التوأم البلجيكي، الأخوان داردين، من خلال عمله القصير «سلمى»، فقاما بتمويل إنتاج باكورته الروائية «نحبك هادي» (جائزة الفيلم الأول في مهرجان برلين ــ 2016). وها هو يعود ليضرب بقوة، من خلال «ولدي» الذي يسلط الضوء على تيمة حارقة مرتبطة بالخراب الروحي الذي أفرزته ثورات «الربيع العربي»، حتى في تونس التي تعد ثورتها الأكثر نضجاً ووفاء لقيم التحرّر والكرامة التي فجرت حراك «14 جانفي» 2011. تيمة تناولها الفيلم، في قالب مؤثر وحميم، من خلال فاجعة والدين اختفى ابنهما الوحيد «سامي»، بشكل مفاجئ، من بيت العائلة في تونس العاصمة، ليكتشفا أنه سافر إلى سوريا للانضمام إلى صفوف «داعش».
من خلال فجيعة العائلة بهذا الاختفاء، ورحلة الأب الطويلة من تونس الى تركيا، بحثاً عن ابنه، رصد الفيلم بكثير من صفاء الرؤية إخفاقات جيل تونسي تربى على قيم الحداثة والليبرالية، ولم ينتبه إلى الشرخ المتزايد بينه وبين جيل الأبناء، الذين تم الزجّ بهم في براثن التطرّف بسبب إخفاقات الدولة الوطنية واستكانة النخب الحداثية للديكتاتورية الليبرالية الناعمة.