كان | كانت هناك قبضة موريس بيالا الشهيرة، التي لوّح بها، وسط الصفير وصيحات الغضب والاستهجان، لحظة استلامه «السعفة الذهبية» عن رائعته المثيرة للجدل «تحت سماء الشيطان»، عام 1987. وها قد أضيفت إليها قبضة أخرى ستبقى، هي الأخرى، ماثلة في ذاكرة الكروازيت. إنّها القبضة اليسرى للمخرج الفرنسي ستيفان بريزي، التي ارتفعت أمس، وسط موجات عارمة من التصفيق وهتافات التأييد، التي امتدت لأكثر من نصف ساعة (رقم قياسي في سجل المهرجان)، في أعقاب العرض الرسمي لفيلمه «في حالة حرب».

هكذا، بعد ثمانية أيام من العروض المتفاوتة، التي تباينت بشأنها الآراء والتقديرات، عثر المهرجان، أخيراً، على فيلم تم اعتباره، بالإجماع، مشروع «سعفة ذهبية» تليق بالدورة الـ 71 من «مهرجان كان». بعد ثلاث سنوات من رائعته «قانون السوق»، التي منحت النجم فنسان ليندن جائزة أفضل ممثل، عاد ستيفان بريزي ليهدي ممثله الأثير واحدة من تلك الأدوار ذات النفس النضالي والاجتماعي التي طبعت مشواره الطويل، من «الحقد» (ماثيو كاسوفيتس – 1994) إلى «يوميات خادمة» (بونوا جاكو – 2015)، مرورا بـ «مؤسستي الصغيرة» (بيار جوليفيه – 1999) و Welcome (فيليب ليوريه – 2009).
من خلال شخصيات «لوران» (فنسان ليندن) وميلاني (ميلاني روفر) ورفاق نضالهما في ائتلاف نقابي يقود حراكاً احتجاجياً لمنع إغلاق مصنع في جنوب فرنسا من قبل مؤسسة ألمانية متعددة الجنسيات، قدّم ستيفان بريزي مرافعة مدوية ضد شطط العولمة والليبرالية المتوحشة، التي تسعى لتسليع البشر وتطويع العالم وفق منطق المصالح المالية للأوساط الاقتصادية المتنفذة.
لكن الفيلم لم يكتف بذلك، بل سلط الضوء على مفارقات وأكاذيب «الوسطية» المزعومة لنزيل الإليزيه الشاب، ليبشر بميلاد يسار جديد يتحدى الهيمنة الماكرونية، رغم النهاية المفجعة لبطله النقابي في الفيلم، الذي يحرق نفسه امام مقر الشركة الألمانية المتعددة الجنسيات، بعدما انفض عنه رفاق النضال، وفشلت مساعيه «القانونية» لمنع إغلاق مصنع ناجح. لكن «الخبراء» يرون أن التخلص منه من شأنه أن يرفع أسهم الشركة الأم في البورصة.
لا يؤشر «في حالة حرب» الى ميلاد يسار جديد فحسب، بل يعد إيذاناً بنفس جديد للسينما النضالية، بعيداً عن الشعارت الفاقعة لـ «السينما الملتزمة» بمفهومها التقليدي. فالبورتريه الجماعي الذي نحته بريزي لـ «أبطاله» النقابيين جاء اقرب الى النفس الاجتماعي الذي نجده في أعمال كين لوتش («إنه عالم حر»، «أنا دانييل بليك»…)، وإلى حميمية سينما الأخوين داردين («الطفل»، «يومان وليلة»...)
مضمون الفيلم الذي يقارع الماكرونية في الوقت الذي تحتفل فيه فرنسا بخمسينية انتفاضة مايو 1968، وفرادة أسلوب ستيفان بريزي الذي استلهم الكثير في رؤيته الإخراجية من تقنيات الريبورتاج التلفزيوني الذي يمنح الكاميرا كثيراً من الرشاقة في تلقف أدق تفاصيل معمعة الحراك النقابي الملتهب... كل ذلك يجعل «في حالة حرب» فيلماً يمتلك كل المقومات، السياسية والفنية، التي ترشحه لاختطاف «السعفة». لكنّ فيلمين بارزين سيدخلان السباق في الأيام المقبلة، وهما Dogman لماتيو غاروني، و«شجرة الأجاص البرية» لنوري بيلج شيلان، قد يعصفان بحالة الإجماع التي اجتاحت الكروازيت بعد عرض «في حالة حرب».