القاهرة | جاء الخبر صادماً كمطرقة فوق رؤوس أصدقائه ومحبّيه. أول من أمس، كان المخرج المصري أسامة فوزي (1961 ــــ 2019) لا يزال يحلم بفرصة إنجاز فيلم جديد، أو على الأقل مسلسل رمضاني يعود به إلى جمهوره الذي انقطع عنه منذ عشر سنوات عندما قدم آخر أعماله «بالألوان الطبيعية».

لكن أمس، جاء خبر رحيله المفاجئ ليقضي على هذه الأحلام، ويضع نهاية مؤسفة لأحد أهم الأسماء في السينما المصرية على مدار تاريخها.
رحل صاحب «عفاريت الاسفلت»، و«جنة الشياطين»، و«بحب السيما» عن 58 عاماً، وأربعة أفلام، وعشرات الأحلام المجهضة، آخرها فيلم بعنوان «وردي أسود» ومسلسل بعنوان «دم مريم»، لم تتسع لانتاجهما صناعة الترفيه الأكبر في العالم العربي، والأكثر قسوة مع المبدعين الحقيقيين.
في تشرين الثاني (نوفمبر) 1995، عرض «عفاريت الاسفلت» ــــ باكورة أسامة فوزي ـــــ في المسابقة الدولية من «مهرجان القاهرة السينمائي»، فكان حدثاً فنياً وبشارة بولادة مخرج ليس متمكناً وصاحب أسلوب فحسب، بل أيضاً مختلف، ومتمرد وثائر ومحطِّم للأوثان في سينما ومجتمع مدجّنين، خانعين، خاضعين لأسوأ شروط السوق وأسوأ قوانين التخلف والرجعية.
للوهلة الأولى، بدا «عفاريت الاسفلت» امتداداً لسينما «المهمّشين» التي بدأت في ثمانينيات القرن الماضي على أيدي مخرجي ما يعرف بـ«الواقعية الجديدة» مثل «سواق الأتوبيس» لعاطف الطيب، و«أحلام هند وكاميليا» لمحمد خان، و«ليه يا بنفسج» لرضوان الكاشف، وغيرها. لكنّ «عفاريت الاسفلت» الذي صوّر مشاهد من حياة سائقي «الميكروباص»، سيارات الأجرة الجماعية، والطبقة المتوسطة الدنيا في حي حلوان، يختلف تماماً عن هذه الأفلام شكلاً ومضموناً.
ينتمي «عفاريت الاسفلت»، الذي كتبه الأديب الشاب آنذاك مصطفى ذكرى، إلى ما يعرف بالمدرسة «الطبيعية» في الفن، التي يعد الأديب الفرنسي إميل زولا أبرز أسمائها. مدرسة تسعى لتصوير الواقع كما هو، بطينه وعرقه وقبحه وخسته، بعيداً عن الجماليات الزائفة التي أضفتها الاشتراكية على الواقعية، أو المواعظ والأخلاقيات الزائفة التي أضفتها الرومانسية والميلودراما عليها.
في المدرسة الطبيعية، ينبع الجمال من تصوير الواقع كما هو، من «موضوعية» الحقيقة نفسها، ومن دقة وبرودة النظرة التي تستكشف المستور من الغرائز والطوايا الخبيثة والشريرة والمساحات المظلمة داخل الانسان. عندئذ ينبع الجمال من قوة الحقيقة التي هي أساس أي تغيير أو إصلاح.

صوّر الواقع كما هو، بعيداً عن الجماليات الزائفة والمواعظ الأخلاقية

«عفاريت الاسفلت» سعى إلى هدم الأفكار «المثالية» عن حياة الفقراء والحارة المصرية عموماً، التي تمتد عبر تاريخ طويل من التزييف السينمائي، حتى في أعمال نجيب محفوظ التي تحولت إلى أفلام حيث يمكننا أن نلمس آثار هذا التزييف. عرّى «عفاريت الاسفلت» بمشرط جراح، وجوهاً أخرى للطبقة الوسطى وتحايلاتها وأخلاقياتها الزائفة. كشف الفيلم ليس فقط الانتهاكات التي يمارسها المنتمون إلى هذه الطبقة، ولكن أيضاً التواطؤ الذي يمارسه الجميع، إذ يعرف كل واحد منهم فضائح الآخرين ويغمض عينيه عنها. وهم يغمضون أعينهم أيضاً عن فضائحه.
بعد أعوام ثلاثة، قدم أسامة فوزي فيلمه الثاني، ودرة أعماله، «جنة الشياطين» (1999) عن سيناريو لمصطفى ذكرى أيضاً، وهو معالجة ممصرة لرواية الأديب البرازيلي خورخي أمادو «كانكان العوام الذي مات مرتين»، وان كانت تختلف عنها في أشياء كثيرة. «جنة الشياطين» تجربة فريدة في السينما المصرية. فالممثل المنتج محمود حميدة، الذي شارك في بطولة «عفاريت الاسفلت» تحمّس لانتاجه، متحمّلاً خسارة مؤكدة، ولعب دور الشخصية الرئيسية فيه، لرجل ميت تتحول جثته إلى دمية بين أيدي الشخصيات الأخرى، وهي مجموعة من البلطجية والعاهرات... هذا يسرق أسنانه، وآخر يسرق ملابسه، وثالث يريد أن «يلوط» معه، وهذه تجلس بين حجره، وأخرى تبصق على وجهه، وهو يتخذ وضعاً ثابتاً لرجل ميت يفتح فمه كالأبله.
وإذا كان «عفاريت الاسفلت» قد صدم كثيرين بكشفه الانتهاك الذي تمارسه الجماعة المتواطئة، فإن «جنة الشياطين» يصدم أكثر لأنه انتهك محرّمات المجتمع والسينما المصرية معاً، وعرّى الأكاذيب التي صاغها هذا المجتمع، وهذه السينما، على هيئة أخلاقيات وقيم وثوابت، بهدف قمع الفرد وإخضاعه للجماعة.
يروي الفيلم قصة رجل بورجوازي متوسط العمر، زوج وأب تقليدي، يقرر ذات يوم أن يهجر بيته وطبقته، وينضم للمشردين وعاهرات الشوارع. يغيّر اسمه ويهيم على وجهه صعلوكاً وعربيداً أبدياً لا يتمنى الهداية. يبدأ الفيلم بموت الرجل، ورحلة البحث عن مقره الأخير بين أصحابه البلطجية وصاحباته العاهرات وأسرته التي يصلها خبر موته بعد اختفائه سنوات.
لا يحمل «جنة الشياطين» كما يبدو من قصته نظرة تشاؤمية أو مقبضة، لكنه ينتمي للفلسفة العدمية بكل ما تحمله من مرح وشجاعة في مواجهة الحقيقة.
لا شعور بالذنب هنا أو سرد لمبررات درامية لانحراف شخصياته... حتى عاهراته يعترفن أنهن يمارسن الجنس من أجل المتعة، ونحن لا نعرف شيئاً عن خلفيات شخوصه، ولا ظروفهم الاجتماعية والنفسية. مع ذلك يحمل الفيلم بعض اللمحات الصوفية الخالصة، وبطله «منير رسمي» يتحول إلى «طبل» يظل نبيلاً وقديساً وحتى «نبياً» كما تصفه إحدى الشخصيات. ويشار إلى ذلك عبر شيئين: رفضه بيع منزله ليبقى ميراثاً لأسرته من بعده، واحتفاظه بعلاقة حب حرّة مع عاهرته المفضلة.
بعد «جنة الشياطين»، كان على أسامة فوزي أن ينتظر خمس سنوات أخرى ليقدم فيلمه التالي، الأكثر شهرة، «بحب السيما» (2004) عن سيناريو لهاني فوزي. يصوّر الشريط ملامح حياة الأقلية المسيحية، البروتستانتية، في حي شبرا الشعبي، وهو الفيلم المصري الوحيد الذي يتناول مسيحيّي مصر من الألف إلى الياء، ومن دون أن يكون موضوعه الوحدة الوطنية أو العلاقة بين المسلمين والمسيحيين. وكما فعل في فيلميه السابقين، رسم أسامة فوزي صورة «واقعية»، «طبيعية»، تخلو من التجميل، بل تسعى للتعرية والكشف عن الزيف الأخلاقي والتدين المصطنع، ولكن بفهم وحب لا مثيل لهما.
خمس سنوات أخرى ضاعت قبل أن يقدم أسامة فوزي فيلمه الأخير «بالألوان الطبيعية» (2009) الذي يعتبر امتداداً لـ «بحب السيما» لكنه أقل جرأة وصدقاً. ويبدو أن الضجة الهائلة التي أثارها «بحب السيما» قد انعكست سلباً على نفسيته، بالإضافة إلى المعوقات والشروط الانتاجية التي ازدادت صعوبةً في صناعة السينما المصرية في الفترة الأخيرة.
ومن يومها لم يستطع أسامة فوزي أن يحقق أياً من مشاريعه العديدة التي ظل يعمل عليها حتى وفاته، وان لم يفقد يوماً ابتسامته الوديعة، وتفاؤله المبدئي بمستقبله ومستقبل السينما المصرية حتى في أحلك الساعات التي مرّ بها في مسيرته القصيرة الجامحة.
خسرت السينما المصرية أسامة فوزي ليس فقط بموته السابق لأوانه، لكن بالأفلام الرائعة التي كان يمكن أن يقدمها لولا العقبات والمعوقات والاعتراضات والهجمات الرخيصة التي تعرّضت لها أفلامه.