كانت «صوفيّا» عميدةُ شَحّاذي ضيعتنا الأُباة، حين يعصفُ بها الجوع تَتّكئ على حيطان جيرانِها النبلاء، وتَتَنَسّمُ روائحَ الأطعمةِ المندلِعةِ مِن شبابيك مطابخِهم. وحين يشتدّ عليها البرد، تُهدهِدُ عظامَها برائحةِ الدخانِ الفائحِ مِن أحشاءِ مدافئهم الجذلى، المتخمةِ بنيرانِ المسَرّاتِ التي لا تَخمد.

ولعلّها، في تلك الأيامِ المجيدة، كانت تَشبعُ وتَدفأ.
عجيبٌ أمرُ الإنسان: حتى وهو يراقبُ موتَه، يبتلعُ النَّصلَ ويَقنع.
وما يُدرينا؟
ربما كانت «صوفيّا» (لأنها لا تملكُ من أسلحةِ الدمارِ الشامل ما يلزم لإِبادةِ المعمورةِ وأولياءِ مطابخها وإيواناتِ مَسَرّاتها) ربما كانت تكتفي، في تلكَ الأُوَيقاتِ الكالحة، بالقولِ من طرفِ لسانها وطرفِ أمعائها: «شكراً على الهدايا!...».
.. .. ..
مع ذلك، لا بدّ من الانتباه: في الظاهر، الإنسانُ يَـقنعُ ويغفر. لكنْ، في الكثير من الأحيان، على صانعي تعاستِهِ ورُعاةِ موتِه أن يَتذكّروا:
للإنسان أحلامُ يقظتهِ الـمُذَخَّرةُ، بعيداً عن أعينِ الرُقباءِ والآلهة، بالديناميت والصواعق...
: يَتَذكّروا وَ... يَحذروا!
17/1/2019