نعم! أنا فخورٌ بهم ــ أجدادي...

أجدادي الذين، على أقلّ مِن مهلِهم وبدونِ أيّةِ ضوضاء،
اخترعوا الإبرةَ، والمغزلَ، والحربةَ، وعودَ الكبريتِ، والعَجلَةَ، وسِكّةَ المحراثِ، وطبشورَةَ رسمِ الثيرانِ على حائطِ الكهفِ... ومِزمارَ الدموعِ والأغاني؛
وفيما بعد، فيما بعدُ بكثير، ولِئلاّ يظلّوا خائفين مِن غوامضِ موتِهم وظلماتِ مقابرِهم، أَلَّـفوا ما يَلزمهم من الشُّفَعاءِ والآلهةِ، واخترعوا الملكوت.
فخورٌ بهم...
أجدادي الحكماء المتواضعين، الذين لم يتركوا لنا (لم يكونوا في حاجةٍ لأنْ يتركوا) خرائطَ ممتلكاتٍ وعقودَ مُبايعاتٍ، وأشجارَ أنسابٍ، وأوسمةً، وشهاداتِ تقديرٍ تُعَـلَّقُ على حيطان البيوت وتَذَكِّرُ بمآثرِهم...
أجدادي الذين ماتوا قبل أنْ يشهقوا لسماعِ الراديو، ويَشهدوا ميلادَ جَرّاراتِ الفلاحة، والكهرباءِ، والعرباتِ الطائرة...، بل وحتى الأسبيرين والبنجِ وخافِضاتِ الحمّى ومَوازينِ حرارةِ المحتضرين...
أجدادي العقلاء الذين لم يسمعوا بِـألفرِد نوبل، وألبرت أينشتاين، وهاري ترومان، وفُـقهاءِ الشتاءِ النوويّ و«نهايةِ التاريخ»، وعظيمِ أباطرةِ زمانِهِ «دونالد ترامب» الخامسِ والأربعين قبل القيامة..
أجدادي الذين رحلوا وهم يؤمنون أنّ الشعرَ هو ما يصنعُ الحقيقةَ، والموسيقى هي ما يَجلبُ الدمعَ، والحبَّ هو الامتحانُ الوحيدُ لاختبارِ كفاءةِ قلبِ الإنسان.
نعم! فخورٌ بهم أنا...
أجدادي... أَشِقّاءِ بِغالِهم وماعزِهم وأعشابِ مَراعيهم،
أجدادي الشجعانِ الخَوّافين،
أجدادي الكرماء الذين لم يكونوا يملكون (وما كانت حاجتُهم لأنْ يملكوا؟) مِن متاعِ الحياةِ إلاّ شراويلَهم، وطاقِيّاتِهم، وسِكَكَ محاريثهم، وأسرارَ أعشابهم الواقيةِ مِن آلامِ الحياةِ وضربةِ الموت، و ــ قبلَ كلِّ هذا وذاك ــ كلمةَ «حبّ» التي عَبَّدوا بها الطرقاتِ ما بينَ السماواتِ والأرض،
أجدادي الذين كانوا يُـبَجِّلون الشجرةَ والطائرَ والنحلةَ ودودةَ الربيع، ويَتَوَسّلونَ إلى الغيمة.
أجدادي الذين كانوا يَعتبرونَ البُغضَ عاراً، والكذبَ عاراً، والخيانةَ مَقتَلاً... وعاراً. وحين تَضيقُ عليهم الضائقاتُ ــ بَدَلَ أنْ يُشهِروا خناجرَهم وأناجيلَهم ــ كانوا يَحلفونَ بأرواحِ أسلافِهم، ويُقسِمون بكلمةِ «الشرف».
أجدادي الرُّحماء الرائعين
الذين، وأنا الآنَ في نهايةِ هذا الدرب، لا أزالُ، كلّما عَنّوا على بالي،
أمسحُ دموعي، وأَتَرَقّبُ عودتَهم.
10/1/2019