دمشق | قبل أسابيع، أصرّ المخرج المخضرم مروان قنوع (1946 ــ 2020) على ابنه النجم محمد أن يقبض له راتبه التقاعدي من نقابة الفنانين. ذهب الممثل المعروف، لكنّه جوبه بالرفض بحجة أنّه يحتاج إلى وكالة رسمية مثبتة عند كاتب العدل، حتى يتمكّن من قبض المستحقات المالية للفنان المتقاعد! جرّب أن يعطي والده المبلغ المتواضع ويوهمه بأنّ العملية تمّت بنجاح، لكنّ الأب رفض بشكل قطعي. كان يريد الإيصال الذي يثبت أنّ ابنه تقاضى من النقابة مبلغاً قدره 20 ألف ليرة سورية (حوالى 20 دولاراً أميركياً). هكذا، لم يكن أمام نجم «مرايا» سوى اصطحاب الموظف المسؤول إلى المستشفى ليتمّم الأوراق المطلوبة، ويقبض لوالده الفتات الذي تمنحه له نقابته العظيمة. ربّما حينها قرّر محمد قنوع الترشّح لانتخابات نقابة الفنانين، عساه إن وصلَ إلى مركز قيادي فيها، يجرّب نفض غبار البيروقراطية التي تغرق فيه. لعلّها من مصادفات القدر المجحفة أن يتزامن تخطّيه المراحل الأولى من هذه الانتخابات والنجاح في فرع دمشق في مراكز متقدّمة، مع رحيل والده مروان قنوع. المسرحي والإذاعي المعروف انطفأ صباح أوّل من أمس السبت في دمشق، وشُيّع صباح أمس الأحد من مستشفى «دار الشفاء» في العدوي، قبل أن يصلّى عليه في «جامع الشيخ سعد» (حي المزة) ثم يوارى في ثرى مقبرة المزة. علماً أنّ العائلة تتقبّل العزاء في فقيدها في «صالة دار السعادة» على مدار ثلاثة أيّام بين الساعة الخامسة بعد الظهر والسابعة مساءً.

في صباح كلّ عيد، كانت تلتم العائلة الفنية لتزور قبور راحليها، وتأخذ فنجان قهوة في بيت عميد العائلة، وفقاً للتقليد السوري المعروف. لكن هذه المرّة، ستكون الزيارة فقط إلى المقبرة، فقد رحل آخر رجال الجيل الذهبي لعائلتهم وعرّاب الضحك الأثير، وبقي محمد وزهير وزياد وبلال وشهرزاد ونورس. أسماء إما أنّها وسّعت لنفسها مساحة وافرة على خارطة الفن السوري، أو أنّها لا تزال تحفر بأظافرها لتمهّد طريقها. ومن يُجري جردة سريعة لمسيرة المخرج الراحل، يعرف لماذا أبعد بكره محمد عن الدراسة في «المعهد العالي للفنون المسرحية»، ثم أقفل في وجهه أبواب فرقته لسنوات، قبل أن يجد الابن لنفسه منفذاً ويتحوّل لاحقاً إلى ممثل معروف ومطلوب.
بدأ مروان قنوع رحلة مضنية منذ عمر الـ 12. على خشبة المسرح، كوّن حلمه وسعى وراءه طوال حياته. كان طفلاً عندما انضمّ إلى الفرقة العربية للتمثيل، وغنى مع فرقة الراحل صبري عيّاد، ثم التحق بفرقة المسرح الحرّ وقدّم أعمالاً عدّة، منها: «شركة الكل» و«لف ودوران». تلى ذلك شغله مع فرقة «المسرح الطليعي» بالشراكة مع الكاتب الراحل أحمد قبلاوي، والنجم الراحل طلحت حمدي، حيث قدّم أعمالاً عدة منها «ليلة ما بتتعوض»، و«أوّل فواكي الشام يا فانتوم» و«طرة ولا نقش». المحطة الأبرز في مشواره كانت عندما أسس مع أشقائه الراحلين الكاتب هاشم والمخرج عمر والممثل أحمد فرقة «دبابيس»، التي عُرفت باسم «الأخوين قنوع». عملت فيها أسماء مكرّسة مثل رفيق السبيعي (أبو صيّاح)، فهد كعيكاتي (أبو فهمي) وأنور البابا (إم كامل). قدّمت هذه الفرقة حوالى 55 مسرحية أسهمت في بناء علاقة متينة مع الجمهور الذي كان يرى صور أعضاء الفرقة في شارع 29 أيّار حيث يقع مسرحَا «الخيّام» و«السفراء».
وعلى الرغم من الحالة النقدية لمثل هذا المسرح، وتعالي المثقفين عليه، إلا أنّه اعتُبر شكلاً للمسرح التجاري الشعبي الذي يعبّد الطريق أمام المشاهد لساعات من الضحك والمرح، من دون ادّعاءات، أو مقولات كبرى. إلى جانب العمل في المسرح، كان مروان قنوع من مؤسّسي نقابة الفنانين السوريين ومكرّساً للفن الإذاعي في سوريا، إذ عمل في «إذاعة دمشق» مخرجاً للبث المباشر منذ أن أسّس برنامج «معكم على الهواء» عام 1982. كما عمل مخرجاً لكثير من المسلسلات والبرامج الإذاعية، من بينها البرنامج المسرحي الإذاعي الذي يهتمّ بالمسرح المحلي والعربي والعالمي «آفاق مسرحية»، والمسلسل الشهير «يوميات عائلية» (تأليف عبد الكريم إسماعيل، بطولة: وفاء موصللي وعصام عبه جي)، وبرنامج «حكم العدالة». كما شغل الراحل منصب رئيس دائرة التمثيليات في الإذاعة العريقة، وعمل رئيساً لدائرة المنوّعات، فيما كان عضواً في لجنة البرامج الإذاعية، وفي اللجان الفاحصة في نقابة الفنانين.