كان | حدثان رئيسيان طبعا اليوم الثاني من «مهرجان كان السينمائي الدولي» الـ٦٧. الأوّل، تمثّل بسقطة مدويّة لمايك لي، أحد الثلاثة الكبار الذين سبق أن نالوا السعفة الذهبية وينافسون على سعفة إضافية هذا العام. أما الثاني، فهو دموع مؤثرة للموريتاني عبد الرحمن سيساكو، العربي الوحيد في المسابقة الرسمية هذا العام. خلال المؤتمر الصحافي، أجهش سياسكو بالبكاء حين سئل عن شعوره حيال ما لحق بمسقط رأسه تمبوكتو، عاصمة بلاد الطوارق (شمال مالي)، إثر وقوعها، قبل عامين، في قبضة الجماعات السلفية المتشددة الموالية لتنظيم «القاعدة».


البريطاني مايك لي، حاول قبل عامين تسجيل عودته إلى الكروازيت، بعد عقد ونصف من الغياب، لكن فيلمه «صيف آخر» خيّب التوقعات. وها هو يعاود الكرّة هذه السنة، بجديده Mr.Turner. لكن السقطة هذه المرّة كانت مدوية. فالمعلم البريطاني الذي أبهر عشّاق الفن السابع برائعته «أسرار وأكاذيب»، التي خطفت السعفة الذهبية عام ١٩٩٦، سعى في هذا الفليم لاقتباس سيرة التشكيلي البريطاني J. M.W.Turner (١٧٨٥- ١٨٥١)، راصداً من خلالها المنعطف الذي شهده الفن التشكيلي في تلك الحقبة مع ابتكار فن التصوير.
لكن الفيلم جاء باهتاً ومغرقاً في الشكلانية، فضلاً عن طوله المفرط (ساعتان ونصف)، وإيقاعه البطيئ وبنيته الإخراجية المغرقة في الكلاسيكية إلى حد التسطيح. حتى أنّ البعض اعتبر هذه السقطة بمثابة «شهادة وفاة» سينمائي كبير يحاول عبثاً، منذ قرابة عقدين، استعادة تألّقه وتجديد أدواته ورؤاه الإخراجية!
لكن الخيبة التي تسبب بها مايك لي عوّضت عنها مفاجأة أبهرت الكروازيت، وشكلّت الحدث الأبرز في المهرجان حتى الآن. إنّه فيلم «تمبكتو» لعبد الرحمن سياسكو. السينمائي الموريتاني الذي يتحدّر من قبيلة من الطوارق، أصلها من الأزواد (شمال مالي). في هذا العمل، يعود إلى مسقط رأسه في العاصمة التاريخية لبلاد الطوارق، تمبكتو، ليروي معاناة سكانها خلال الحقبة السوداء التي وقعت فيها المنطقة في قبضة الجماعات الجهادية المنضوية تحت لواء «القاعدة» في ربيع ٢٠١٢.
قوة الفيلم الأساسية تمثّلت في ابتعاد سيسكاو عن أي نزعة خطابية في المرافعة ضد الجماعات الإسلامية، من منطلق استشراقي، لمغازلة المخيلة الغربية، كما تفعل أفلام الإنتاج المشترك العربية ــ الغربية في كثير من الأحيان.
اختار المخرج الموريتاني البورتريه الحميمي، بديلاً للنبرة النضالية. ومن خلال المصائر المتشابكة لمجموعة من الشخوص التي تمثّل مختلف الأقليات المتعايشة منذ قرون في تمبكتو، من العرب والتوراق والزنوح الهاوسا، نحت صاحب «بانتظار السعادة» (الجائزة الكبرى في مهرحان السينما الأفريقية Fespaco ــ٢٠٠٢) صورة بانورامية لحياة الناس البسطاء في الصحراء الأفريقية الكبرى.
وكان هذا البورتريه الجماعي مبهراً. ليس فقط في رصد التنوّع العرقي والثقافي للمنطقة، بل أيضاً في إبراز تعايش اللغات واللهجات المتعددة التي يتحدث بها سكانها. وبفضل تلك الصورة الساحرة التي رسمها عن حياة ومعاناة سكان الصحراء، نجح الفيلم في كسب تعاطف المشاهد، من دون الحاجة إلى أي خطاب أيديولوجي. كما حدث في الجزء الأخير من العمل، حين اجتاحت الجماعات الجهادية المنطقة وقضّت مضاجع سكانها بممارساتها المتشددة ورؤاها السلفية الدخيلة على الإسلام السمح الذي يدين به سكان الصحراء الأفريقية بمختلف أعراقهم.
ورغم قساوة بعض مشاهد الجلد والرجم والقتل، إلا أنّ شاعرية الفيلم وخطابه الإنساني جعلاه يخطف إعجاب رواد الكروازيت بالإجماع، ليشق طريقه بلا أدنى شك نحو الحصول على واحدة من جوائز المهرجان الرئيسية.